القاهرة- إسلام عبد الحميد
قضى قرار تعويم الجنيه على آمال وطموحات المصريين، فمن كان يجاهد للعيش في مستوى متوسط أصبح يتمنى أن يستطيع العيش فقط، ومَن كان ينوي الزواج في وقت قريب أجّل موعد زفافه لأن مدّخراته لم تعد كافية، ووضع المواطنون في "أم الدنيا" شعار "طريقك مسدود" نصب أعينهم، منتظرين ما ستكشفه "الأيام السوداء" القادمة، وفقاً لتعبيرهم.
اسيقظ المصريون في 3 نوفمبر/تشرين ثان الجاري على ما أسمته الحكومة بـ"بشرى تعويم الجنيه"، إذ قرر البنك المركزي المصري، صباح الخميس الماضي، تحرير سعر صرف العملة المحلية، وفي أولى تبعات هذا القرار، تقرّر رسمياً تخفيض قيمته بنسبة 48% أمام الدولار ليسجّل الدولار نحو 14 جنيهاً، مقارنةً بـ8.88 جنيهات في نهاية تعاملات الأربعاء.
ولم تكتف الحكومة بتعويم الجنيه لتزيد من الأعباء على الطبقات الفقيرة والمتوسطة في إشارة منها إلى زيادة أسعار المواد البترولية ومشتقاتها لينزل الخبر كالصاعقة على المواطنين، وارتفعت أسعار المواصلات في اليوم التالي لذلك القرار دون رقابة من الحكومة أو دعم للفقراء ومحدودي الدخل، "الراية" استطلعت آراء خبراء الاقتصاد ورجال الأعمال حول تلك القرارات في التحقيق التالي، وفي البداية قال أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، والخبير الاقتصادي، الدكتور فخري الفقي، إن قرارات تحرير سعر الصرف وتحريك أسعار الوقود لها آثار على زيادة الأسعار التي يشهدها الشارع المصري، موضحًا أن قرار تعويم الجنيه في صالح الاقتصاد للقضاء على السوق السوداء للدولار، موضحًا أنه جاء متأخرًا، لافتًا إلى أن قرار التعويم يساهم في جذب العديد من الاستثمارات الأجنبية والعربية في السوق لتوحيد سعر صرف الدولار، موضحًا أن أي مستثمر يريد تحويل مليار دولار إلى مصر للاستثمار بها قبل قرار التعويم يعني أنه سيخسر 10 مليارات جنيه قبل بدء مشروعه لوصول سعر الدولار في السوق السوداء إلى 18 جنيه وفي البنوك المصرية سعره 8.88 جنيه، موضحًا أن السعر الآن للدولار في البنوك 14 إلى 15 جنيهًا، وبالتالي الجنيه المصري سيكون أكثر جاذبية، مضيفًا أن قرار التعويم سيساهم في القضاء على ظاهرة الدولرة.
وعن ارتفاع أسعار المحروقات أوضح الفقي أن له آثار تضخمية على أسعار السلع الغذائية نتيجة ارتفاع أسعار النقل ووسائل المواصلات، مؤكدًا أنه كان يجب على الحكومة قبل اتخاذ تلك الإجراءات التي من شأنها المساس بالمواطن البسيط أن تقوم بعمل بطاقات ذكية للحصول على الدعم، موضحًا أن شروط صندوق النقد الدولي هي التي عجلت بتلك القرارات، للموافقة للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار مصر تملك منهم 3 مليارات دولار والمتبقي من الدول المشاركة في الصندوق.
وشدد الفقي أنه كان يجب على الحكومة أن تصدر كروت ذكية لمحدودي الدخل لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه متمثل في المواصلات والبنزين، ومن جهته حذر عضو جمعية مستثمري العاشر من رمضان، المهندس أبو العلا أبو النجا، الحكومة من تداعيات رفع أسعار المواد البترولية وغيرها من الأعباء على المواطنين، وقال أبو النجا إن معاناة المواطن تقلل من مزايا تعويم الجنيه، الذي كبح سطوة السوق السوداء، موضحًا أن سعر الدولار في السوق السوداء وصل إلى 18 جنيهًا قبل يومين وهو ما كان يمثل مؤشرًا خطيرًا، ومع تطورات قرار تعويم الجنيه لابد من وجود قوانين مكملة لمنع تأثر الواردات خاصة بعد السداد في الجمارك بالسعر الرسمي في البنوك بعد التعويم، وهو ما يزيد من أسعار المنتجات بشكل أكبر من الأسعار المرتفعة حاليًا خاصة مع زيادة أسعار المنتجات البترولية.
وأوضح أبو النجا أن قرار ارتفاع أسعار الوقود لم يأت في الوقت المناسب، لافتًا إلى أن الحكومة اخطأت كثيرًا في هذا القرار الذي سيشعل الشارع المصري خاصة مع الدعوات التي ينادي بها البعض في 11 نوفبمر/تشرين ثان الجاري، وقال نقيب مستثمري أسيوط، المهندس علي حمزة، إن قرار رفع أسعار المشتقات البترولية لم يكن مناسبًا في الوقت الحالي، خاصة بعد قرار تعويم الجنيه والذي يؤدي إلى تحريك الأسعار، موضحًا أن الشارع المصري لا يحتمل مثل هذه القرارات المتتالية.
وأضاف حمزة أن الأسعار ستشهد ارتفاعات من 20 إلى 30% خلال الفترة المقبلة نتيجة ارتفاع أسعار النقل والمواصلات، والتي ستؤدي إلى زيادة أسعار السلع، وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة المنصورة الدكتور مختار الشريف، إن دعم الطاقة وصل في مصر لمراحل لا يمكن استمرار الدعم فيها لأكثر من ذلك، مؤكدًا أن رفع أسعار البنزين "شر لابد منه" سيوفر للدولة مليارات من الجنيهات.
وأضاف "الشريف" أن الحكومة الحالية في موقف صعب في ظل أن الكثير من المشاكل تحيط بها، مؤكدًا أن أي اسم يرأس الحكومة في هذا التوقيت كان سيتخذ قرارًا برفع الدعم عن الطاقة، وتابع أستاذ الاقتصاد في جامعة المنصورة أن نجاح الأمر يحتاج إلي إجراءات رقابية مشددة من الدولة بالإضافة إلى وجود المواطن وزيادة الوعي لدي الناس في الأسواق حتي لا ترفع الأسعار بشكل عشوائي، مؤكدًا أن الدولة تنتظر مشكلات جمة خلال الفترة السابقة.
وكانت الحكومة رفعت سعر بنزين 80 من 1.6 جنيه إلى 2.35 جنيه للتر بنسبة تصل إلى 45%، وبنزين 92 من 2.6 جنيه إلى 3.5 جنيه للتر بنسبة تصل إلى 35%، كما ارتفع سعر السولار من 1.8 جنيه إلى 2.35 جنيه للتر بنسبة زيادة 30%، وغاز السيارات من 1.1 جنيه إلى 1.6 جنيه للمتر المكعب.


أرسل تعليقك