مازال قانون الخدمة المدنية المثير للجدل سببًا في حالة من الغليان بين موظفي الحكومة، بعد ما يقرب من شهرين على قرار مجلس النواب إلغائه، فرغم قدرة الموظفين على الضغط لإلغاء القانون، إلا أن الحكومة تُصِر على تطبيقه فيما يتعلق بالشق المالي لصرف الرواتب الشهرية حتى الآن.
وبسبب إصرار الحكومة على تطبيق الخدمة المدنية حتى الآن، تعتزم مجموعة من النقابات العمّالية على رأسها نقابات العاملين بالضرائب والمعلمين، التظاهر ظهر يوم 20 آذار/مارس الجاري، وهو توقيت شديد الحساسية خاصة بالنسبة إلى موظفي الضرائب على وجه التحديد، حيث يتزامن مع الأيام الأخيرة لموسم تقديم الإقرارات الضريبية للأشخاص الذي ينتهي في 31 آذار وهو الموعد النهائي للتقديم، مما قد يؤثر سلبًا على حصيلة الضرائب.
وتشكل حصيلة الضرائب أكثر من 60% من إيرادات الموازنة المصرية سنويًا، وأي خلل بالحصيلة يكون له بالغ الأثر على موازنة الدولة، وهي ورقة الضغط التي يعتمد عليها موظفو الضرائب لوقف تنفيذ قانون الخدمة المدنية الملغي، وحاولت الحكومة كسب المزيد من الوقت حتى يمكنها تمرير قانون جديد للخدمة المدنية، باستمرار تطبيق القانون الملغي على رواتب شهري شباط/فبراير وآذار/مارس الجاري.
وبحسب تسريبات من وزارة التخطيط، فإن مشروع القانون الجديد الذي سلمته الحكومة الأسبوع الماضي لمجلس النواب، مازال محتفظًا بأكثر المواد المثيرة للجدل والتي لاقت اعتراضًا كبيرًا من الموظفين، وهي المادة المتعلقة بثبات نسبة العلاوة السنوية بواقع 5% فقط من الأجر الوظيفي المربوط بتاريخ 30 حزيران/يونيو 2015، وهو ما يعنى أن الزيادة السنوية للراتب تتراوح من 40– 70 جنيهًا في أقصى حالتها، وهو مبلغ ضئيل للغاية لا يتناسب مع نسب التضخم.
ومن أهم أسباب تطبيق القانون طبقًا لتصريحات وزيري المالية هاني قدري، والتخطيط أشرف العربي، وقف تضخم مصروفات الأجور التي تتحملها الموازنة سنويًا من دون إنتاج حقيقي، وهو أحد أركان خطة الإصلاح التي تعتمد عليها الحكومة لإبرام اتفاقيات الاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية وعلى رأسها البنك الدولي، وتنص الاتفاقية الموقعة بين الحكومة والبنك على أن تنخفض هذه المصروفات بواقع 1% من الناتج المحلي الإجمالي على مدار ثلاثة أعوام.
ولكن الأكثر إثارة للجدل أن حتى هذا الهدف لم تتمكن الحكومة من تحقيقه؛ لأن مصروفات الأجور الحقيقية خلال 6 أشهر من العام بلغت 110 مليار جنيه، متخطية المستهدف إنفاقه بواقع مليار جنيه رغم تطبيق الخدمة المدنية، بحسب ما كشفه مسؤول بارز في وزارة المالية، دون وجود أسباب واضحة حتى الآن لهذا التجاوز، مشيرًا إلى أن تقارير متابعة الموازنة الداخلية كشفت وجود زيادات في مخصصات الأجور الخاصة بالجهات القضائية، غير الخاضعة للخدمة المدنية من الأساس.
وتابع المسؤول بقوله: لا يوجد ما يبرر ارتفاع مصروفات أجور القضاة، ولكن هذا مؤشر على أن الخاضعين لقانون الخدمة المدنية من موظفي الحكومة ليسوا هم السبب الحقيقي وراء تفاقم مخصصات الرواتب الحكومة، فهناك جهات أخرى تحصل على موازنات كبيرة لصرف رواتب موظفيها بعيدة عن دائرة الخضوع للخدمة المدنية.
وترفض الحكومة الاعتراف بهذه الحقيقة التي كشفتها الأرقام، رغم أن الخدمة المدنية لم يطبق سوى على 8 وزارات حكومية فقط كانت تخضع للقانون السابق للعاملين المدنيين في الدولة رقم 47 هي المال، والتخطيط، والآثار، والثقافة، والتنمية المحلية، والقوى العاملة، والشباب والرياضة، والبيئة، في حين أن باقي الجهات لم ولن تخضع للخدمة المدنية؛ لأنها لم تخضع من قبل لقانون 47، وهذا الوضع وصفه خبير الموازنات الدولية والأستاذ في الجامعة الألمانية، حسن عودة، أنه "لا يمت للإصلاح الإداري بصلة".
وأكد عودة إلى "مصر اليوم" أن قانون الخدمة المدنية سواء المرفوض أو التعديل التي تقدمت به الحكومة عبارة عن قواعد تنظيمية للموظفين وليس له أيّة علاقة بالإصلاح الإداري، نافيًا ما يتردد عن إمكانية مساهمته في خفض مصروفات الأجور بالموازنة كما تدّعي الحكومة.
وكان من أهم الاعتراضات على قانون الخدمة المدنية، عدم مساواته بين كافة العاملين في الجهات الحكومية المختلفة، ومع ذلك فإن مشاريع القوانين التي تقدمت بها أحزاب سياسية على رأسها الوفد، لم تختلف كثيرًا فيما يتعلق بعدد الجهات الخاضعة للقانون، وهو ما برره المتحدث باسم حزب الوفد، والمسؤول عن مشروع القانون المقترح، الدكتور محمد فؤاد، أن الحكومة وضعت الجميع في مأزق عندما صاغت قانونًا بديلاً لقانون 47، ولم يكن أمام الحزب خيار لصياغة قانون يطبق على كافة الجهات والوزارات والشركات العامة.
وأعلن موظفو الضرائب أن الحكومة تتحايل على الموظفين بتطبيق قانون ملغي، وذكرت رئيس النقابة العامة للعاملين بضرائب المبيعات، فاطمة فؤاد، أن تظاهرات الموظفين الأحد المقبل ستكون حاشدة، معربة عن رفض جميع الموظفين استمرار تطبيق القانون في ظل حالة الغلاء التي يعاني منها المواطنون، والتي تفاقمت بعد زيادة سعر الدولار أمام العملة المحلية بما أسهم في رفع كافة أسعار السلع، وأكدت أن الموظفين لن يتأثروا بالتهديدات، وأن وقفتهم الاحتجاجية المزمعة أمام نقابة الصحافيين، ليست لها أيّة أهداف سياسية أو غيرها سوى الدفاع عن حقوق الموظفين التي سلبتها الحكومة، على حد تعبيرها.
وشكلت النقابات المستقلة، التي تعارض تطبيق الخدمة المدنية، جبهة تحت مسمى "تنسيقية تضامن لرفض قانون الخدمة المدنية"، وقامت بحملة توقيعات لإقالة وزيري المال والتخطيط المسؤولان عن صياغة القانون المثير للجدل، وليس من المنتظر أن يناقش القانون في البرلمان قبل إعلان بيان الحكومة أمام مجلس النواب وانتهاء تشكيل اللجان بحسب تصريحات العضو البرلماني، محمد وهب الله، هذا في الوقت الذي ينصّ فيه الدستور على بدء مناقشة موازنة العامة الجديد مطلع نيسان/ أبريل المقبل واستعجال الحكومة على استصداره، وهو ما يضع تحديات كبيرة أمام البرلمان نحو إنجاز مهام عمله في وقت محدود، ويعيق التعديل الجديد للخدمة المدنية من الحصول على حقه في المناقشات بين النواب، بما يسمح بصدور قانون يتوافق عليه الأطراف.
أرسل تعليقك