ارتفاع عجز الموازنة، تصاعد الدين الخارجي وكذلك فائدة الدين الداخلي، أزمة الدولار، ، كلّ هذه مؤشرات مُقلقة، دفعت الحكومة المصرية إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول، على قرضٍ بقيمة 12 مليار دولار، على مدار 3 سنوات، ترى الحكومة في هذا أنّ الاتّفاق مع الصندوق يُعد ثقةً في الاقتصاد المصري و مواجهةً للفجوة التمويلية التي تواجهها الدولة المصرية.
و لكن هل هذه المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، في حقيقة الأمر تعتبر طوق نجاةٍ للحكومة، أو الفرصة الأخيرة، بعد تراجع المِنح الخليجيّة بشكلٍ كبير، بالتزامن مع هبوط أسعار النفط، بالإضافة إلى أزمة الدولار المتسببة في اختناق الاقتصاد المصري، رغم ما قد ينتج عن الاتفاق من اشتعال في الأسعار وهو ما سيؤثر سلبيًا على المواطن البسيط.
تباينت أراء خبراء الاقتصاد حول مدى أهمية اتّفاق صندوق النقد بالنسبة لمصر، و لكنهم اتفقوا حول تأثر الطبقة المتوسطة، والفقيرة سلبًا، بعد الموافقة على القرض، مطالبين بحماية اجتماعية، و رفع الأجور، خاصةً أنّ الاتفاق قد ينتج عنه تطبيق إجراءات إصلاحيّة سترفع أسعار السلع، وتؤثر على دعم المواد البتروليّة و تؤدي لخفضٍ أكبر للجنيه.
و تستهدف مصر تمويلًا من صندوق النّقد الدولي بنحو 4 مليارات دولار سنويًا لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي وضعته الحكومة لمدة 3 سنوات بقيمة إجماليّة 12 مليار دولار، و في حال حصول مصر على قرض الصندوق، فإنّ فترة السماح ستكون 3.25 أعوام، وفترة السداد 5 سنوات تبدأ فور انتهاء فترة السماح.
و تسعى الحكومة إلى الحصول على شريحة أولى بقيمة لا تقل عن ملياري دولار من قرض صندوق النقد الدولي خلال شهرين، إذا توصّلت لاتفاق مع الصندوق.
في البداية يعتبر الدكتور إيهاب الدسوقي، رئيس قسم الاقتصاد في أكاديمية السادات للعلوم الإدارية، أنّ توجّه مصر إلى صندوق النقد الدولي يُعد أحدَ المخارج أمام الحكومة لتحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي، من خلال التزامها ببرنامج إصلاحي من أجل أن تحصل على قرض مُيسّر، و سيزيد ثقة المجتمع الدولي في الاقتصاد المصري.
وقال الدسوقي ''إنّ التوجه الحكومي إلى صندوق النقد الدولي ناتجٌ عن فشلها في تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي، و خفض للأسعار ومعالجة مشكلة الدولار''.
و أوضح أنّ العيب في الاتّفاق مع صندوق النقد، هو أنّ الحكومة ستلتزم مع الصندوق بإجراءات إصلاحيّة سترفع الأسعار، و تزيد معاناة الطبقة المتوسطة فضلًا عن الفقيرة.
و توقّع أنْ تقوم الحكومة بعد الاتّفاق مع صندوق النقد، بخفضٍ أكبر للدعم وتحريك سعر صرف الجنيه في البنوك، من خلال خفضٍ أكبر أمام الدولار، الأمر الذي سيرفع بدوره الأسعار في السوق المصرية.
و طالب الدسوقي الحكومة، بزيادة مرتبات الطبقة المتوسطة والفقيرة، من خلال توزيع عادل للأجور، من أجل مواجهة آثار الإجراءات الاصلاحية، منوهًا إلى أنّ تلك الخطوة هي مسؤولية الحكومة، و لن يتناقش فيها صندوق النقد حيث أنّ دور الصندوق هو دور اقتصاديُّ بحت، بعيدًا عن الآثار الاجتماعية.
وعن رفض البعض التوجه لصندوق النقد لأنّه أدّى إلى تدمير اقتصاديات الدول التي توجهت إليه، قال ''إنّ دول النمور الآسيوية توجهت إلى صندوق النقد و استطاعت النجاح بالإضافة إلى توجه مصر إلى الصندوق خلال فترة التسعينيات''.
و أضاف ''أرفض نظرية المؤامرة حول صندوق النقد، فهو مؤسسة اقتصادية بحتة، و لكنها لا تراعي الأبعاد الاجتماعية للإجراءات التي تتفق على تنفيذها، وهذا دور الحكومات فقط''.
وحول حصول مصر خلال الفترة الماضية على دعم من الخليج أكبر مما تسعى مصر الحصول عليه من الصندوق، و مع ذلك مازالت المشاكل مستمرة، قال ''عندما حصلت مصر على دعم ومنح من الخليج لم يكن هناك برنامج إصلاح اقتصادي وهذا هو الفرق الجوهري بين الدعم الذي حصلت عليه مصر من دول الخليج وما هو متوقع حصوله من صندوق النقد، حيث أنّ الحكومة ستكون بمثابة التلميذ الذي يحتاج إلى مدرسٍ خصوصيّ''.
وتسعى مصر للحصول على تمويل من صندوق النقد لدعم برنامجها الاقتصادي،، و لكنها تستهدف تمويلًا بمقدار 21 مليار دولار يشمل تمويل صندوق النقد، و مصادر تمويل أخرى، منها البنك الدولي و مؤسسات تمويل دولية أخرى، و إصدار سندات في الأسواق الدولية في حدود من 2 إلى 3 مليار دولار خلال الفترة المقبلة، و برنامج طرح أسهم عدد من الشركات المملوكة للدّولة في البورصة لجذب الاستثمارات من الداخل والخارج.
من جانبه، يرى أستاذ التمويل والاستثمار، الدكتور هشام إبراهيم، أنّ حل المشاكل الاقتصادية والفجوة التمويلية التي تعاني منها مصر حاليًا تحتاج إلى إرادة سياسية من خلال الاستعانة بالخبراء، و أهل الاقتصاد في مصر لوضع الحلول، و ليس التوجه لصندوق النقد، معتبرًا أنّ التوجه الحكومي إلى البنك الدولي و صندوق النقد خيانة، وطرق باب لتدمير مصر.
وأشار إلى أنّ صندوق النقد لم يدخل دولة إلّا و دمّرها، و لم يثبت أنّه ساعد على تحسن الأحوال الاقتصادية لأي دولة، وما يقال حول أنّه ساعد البرازيل في تحقيق نهضتها الاقتصادية غير صحيح، فهم لم تتقدم إلا بوجود إرادة سياسية داخلها، مؤكدًا أنّه تسبب في انهيار اقتصاد دول مثل الأرجنتين، ولم تقم من مشاكلها إلا بعد الابتعاد عن الصندوق.
ويتساءل خبير التمويل والاستثمار، "إنّ البنك الدولي يعمل مع الحكومات المتعاقبة في مصر منذ سنوات، ماذا قدم لمصر؟ إلا المزيد من الانهيار وتشريد العمال، وبيع أصول الدولة''،
مؤكدًّا أنّ صندوق النقد تسبب في تكبيل دولٍ بالديون، ولم تقم لها قائمة، على حد وصفه.
من جانبه، أكّد النائب عادل عامر عضو مجلس النواب، أنّ تمويل الصندوق و المؤسسات الدولية لن يكون مجانيًا، ويجب أنْ نعلم توجهات القرض و كيفية سداده وفقًا لجدول زمني، موضحًا أنّ الاقتصاد المصري يمر بمرحلة حرجة من ارتفاع الدولار، ويجب زيادة الاحتياطي الأجنبي إلى 50 مليار دولار من خلال زيادة الإنتاج والصادرات، وتقليل الواردات وتنشيط تحويلات المصريين في الخارج و ربط مكاتب الصرافة في البنك المركزي، وعودة السياحة.
وطالب النائب عادل عامر، من الحكومة و مجلس النواب ضرورة إجراء حوار مجتمعي عام، يشارك فيه كلُّ الشعب المصري بخصوص برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي المزمع الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي.
و شدّد عامر على ضرورة ألّا يمس طبقةَ محدودي ومتوسطي الدّخل، ويجب ألّا نعمل إلا في صالحهم، لافتًا إلى أنّ تعويم الجنيه ليس مُجديًا الآن، ولكنّه سيكون قرارًا سلبيًا.
كما طالب عضو مجلس النواب بضرورة تحصيل رسوم قناة السويس بالجنيه المصري مما يقوي من مركز العملة المحليّة، بالإضافة إلى تحرير الجنيه، وعدم ربطه بالدولار، و ربطه بسلّة عملات أُخرى ذات قوى اقتصادية، مثل الجنيه الاسترليني.
أرسل تعليقك