القاهرة - مصر اليوم
تزداد الأوضاع في جنوب السودان سوءا يوما تلو الآخر لاسيما بعد تعثر الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الرئيس سيلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، والتي ترعاها الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا "الإيغاد"، وانقضاء المهلة المحددة لها في الخامس من مارس الجاري.
ورغم إعلان أديس أبابا مؤخرا عن استئناف عملية السلام في أبريل القادم وتبني آلية جديدة للتفاوض تعتمد على إشراك أطراف عديدة في الوساطة مثل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، غير أن غالبية المراقبين لم يبدوا تفاؤلهم إزاء هذه الخطوة وتوقعوا تصعيدا عسكريا من قبل الطرفين وهو ما وقع بالفعل أمس حيث أعلنت حكومة جنوب السودان مقتل 130 متمردا و17 من القوات الحكومية في معارك جديدة اندلعت حول مدينة رنك في ولاية أعلى النيل النفطية بشمال البلاد.
وبعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة وانتهاء المهلة المحددة لها، تبنى مجلس الأمن بالإجماع مشروعا قدمته الولايات المتحدة ينص على تحديد منظومة من العقوبات، تشمل المنع من السفر وتجميد الأموال، وتُفرض على أفراد من طرفي النزاع إذا ثبت تورطهم في إعاقة تحقيق السلام في البلاد.
ويرى المراقبون أن هذه الخطوة سيكون لها أثرا سلبيا على حياة المواطنين في دولة الجنوب خاصة إذا كان الأشخاص المقترح مقاطعتهم يشغلون مناصب رفيعة فى الحكومة وذلك لأنها ستؤدي إلى مزيد من الانغلاق والانعزال للدولة الوليدة وستعيق وصول الاحتياجات المعيشية للمواطنين مما سيساهم في تفاقم المعاناة الإنسانية.
وارتكزت الخلافات بين طرفي النزاع خلال المفاوضات حول القضايا المتعلقة بالمشاركة في السلطة والترتيبات الأمنية حيث ترفض الحكومة مقترحات للمتمردين تنص على ضرورة وجود جيشين في الدولة الوليدة يتم دمجهما فور إعلان نتائج الانتخابات العامة التي من المقرر إجراؤها بعد 30 شهرا من التوقيع على اتفاق السلام، كما ترفض منح المتمردين نسبة 40% من السلطة.
من ناحية أخرى أكد المتمردون تمسكهم بأن تكون لكل طرف وحدة عسكرية خاصة به لتوفير الحماية للشخصيات المهمة، واحتفاظ مشار بقواته طيلة الفترة الانتقالية لحين إجراء الانتخابات، كما أكدوا تمسك حركتهم بتقاسم السلطة مناصفة بينها وبين الحكومة بواقع 45% لكل طرف ومنح نسبة 10% المتبقية للقوى السياسية الأخرى.
ولا يخفي المراقبون تشاؤمهم إزاء الوضع الحالي في دولة الجنوب حيث يرون أن فشل الطرفين في إنهاء النزاع قضى على الأمل الأخير في إمكانية إنقاذ هذه الدولة الوليدة من الأوضاع المتردية التي تعيشها على مدار الـ 15 شهر الماضية منذ بداية اندلاع النزاع في ديسمبر 2013. فعدم التوصل إلى تسوية سلمية يعني استمرار الأعمال القتالية بين قوات الحكومة والمتمردين وهو ما يؤدي بدوره إلى وقوع المزيد من الضحايا واستمرار المعاناة للمواطنين.
وتشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن القتال أودى حتى الآن بحياة أكثر من عشرة آلاف شخص وأجبر ما يزيد على مليون ونصف على النزوح إضافة إلى حوالي 500 ألف لاجئ جنوبي فروا إلى البلدان المجاورة. ومع تمكن وكالات المعونة من الوصول إلى 4.9 مليون شخص إلا أنه لم تتم تلبية الاحتياجات الكاملة لهم.
كما تكشف تلك التقارير أن 2.5 مليون مواطن في جنوب السودان مهددون بالمجاعة من جراء الأزمة الراهنة وأن نصف سكان البلاد، والبالغ عددهم 12 مليون شخص، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
فضلا عن ذلك يقاتل آلاف الأطفال مع القوات الحكومية والمتمردين في النزاع المسلح مما يمثل انتكاسة لبرنامج التسريح المضني الذي ترعاه الأمم المتحدة والهادف إلى مكافحة تجنيد هؤلاء الأطفال في العمليات المسلحة في مختلف دول العالم. ومنذ اندلاع النزاع في ديسمبر 2013 أصبح هؤلاء الأطفال من أبرز ضحايا الحرب الدائرة حيث تعرض الآلاف منهم للقتل أو الإصابة أو التشرد.
من ناحية أخرى فإن استمرار النزاع في دولة الجنوب مع فرض عقوبات جديدة على بعض الأشخاص المسئولين في الحكومة من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد واستمرار معاناة المواطنين من جراء ارتفاع الأسعار ونقص الخدمات العامة وعدم تلبية احتياجاتهم الأساسية للمعيشة. كما أن استمرار إنفاق الحكومة على العمليات العسكرية ودخولها في عمليات قروض تستخدم في مشاريع غير إنتاجية مع تراكم أرباح هذه القروض من شأنه زيادة أعباء الدولة في المستقبل.
ووفقا للمشهد السابق يتفق المراقبون على أن استمرار الأوضاع المتفاقمة على هذا المنوال في الدولة الوليدة، التي لم يمضِ على خروجها إلى الحياة أربعة أعوام، سيؤدي بدوره إلى إزهاق مزيدا من الأرواح وتدمير البنية الأساسية الهشة وتحويل دولة الجنوب إلى ما يطلق عليه علماء السياسة "نموذج الدولة الفاشلة" والتي يقصد بها الدولة التي تعاني من صراعات وتعجز عن حماية حدودها، ويعاني سكانها من الأزمات والنقص بالخدمات العامة وتمزقها الاضطرابات.
وبناء على ذلك، يرى هذا الفريق من المراقبين أن التدخل الإقليمي أو الدولي لن يؤدى إلى النتائج المرجوة في أزمة الجنوب بل أن الدور الرئيسي في الحل يقع على عاتق كل من القائدين سيلفاكير ورياك مشار اللذين بإمكانهما حسم النزاع سلميا والتخلي عن طموحاتهما الشخصية في الحكم لصالح بلادهم. وفي هذا السياق لا يمكن إنكار أهمية الدور الفعال الذي لعبته منظمة الإيغاد في المفاوضات على مدار الخمسة عشر شهرا الماضية من حيث توفير الإطار المناسب لمعالجة الصراع فى دولة الجنوب والذي يعد استمراره أمرا ضروريا في طريق التسوية السلمية والتوصل إلى صفقة سلام مقبولة من جميع الأطراف.
المصدر أ.ش.أ


أرسل تعليقك