تتعرض مصر لانتقادات دولية بسبب سجلها في ملف حقوق الإنسان"، وكان آخرها إعلان الولايات المتحدة، تخفيض المعونة الأمريكية السنوية المقدمة إلى مصر، بقيمة تصل إلى نحو 290مليون دولار، على خلفية التضييق على عمل الجمعيات الأهلية في مصر.
وشهدت مصر خلال السنوات الأخيرة ارتفاع معدلات حالات الاختفاء القسري، وتزايد ظاهرة التعذيب داخل السجون والمراكز الشرطية، حتى أصبح المصريون يستبدلون الشعار الذي يطلق على أقسام الشرطة "الشرطة في خدمة الشعب"، بشعار آخر وهو "الداخل مفقود والخارج مولود".
وأعلنت منظمة "هيومان رايتس مونيتور" (غير حكومية)، الثلاثاء الماضي، أنه تم نقل ثلاثة من معتقلي سجن "الشلال"، بأسوان في حالة إعياء شديدة بسبب التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون، ما أدى إلى تعرضهم لنوبات إغماء نتيجة للتعذيب الذي قامت به إدارة السجن خلال خمسة أيام كان المعتقلون فيها مسجونين داخل زنازين انفرادية.
وقال حقوقيون، إن ما يعرف بـ"الثلاجة" داخل أقسام ومراكز الاحتجاز الشرطية، هي التي يتم فيها إخفاء المحتجزين بطريقة سرية، دون وجود أية مستندات تثبت تواجدهم داخل تلك المقار الشرطية، بهدف التعذيب في إطار التحقيق، وبدون أن يعلم سر هذه الغرفة سوى ضابط المباحث وعدد آخر قليل.
ورصد مركز "النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، 1384 حالة قتل خارج إطار القانون خلال 2016، و1233 حالة قتل داخل أقسام الشرطة، و535 حالة تعذيب فردي، و307 حالات تكدير وتعذيب، و472 حالة إهمال طبي داخل أماكن الاحتجاز في أقسام الشرطة، كما رصد المركز 980 حالة "اختفاء قسري" ظهر منهم خلال العام الماضي 105 حالات فقط.
وكانت منظمة "العفو الدولية"، قد أدانت منتصف الشهر الماضي، ما اعتبرته تغاضيًا من الاتحاد الأوروبي عن الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها السلطات المصرية، بعد إعلانه استئناف اجتماعات رفيعة المستوى مع مصر.
وقال ديفيد نيكولاس، المسئول التنفيذي للسياسة الخارجية للاتحاد الأوربي بمنظمة العفو الدولية، إن "ثمة موجة غير مسبوقة من الانتهاكات الحقوقية تتواصل في مصر.. يجب على الاتحاد أن يستخدم نفوذه وأن يوضح أنه لن يظل صامتًا بشأن سجل مصر الحقوقي المظلم".
كما أدانت منظمات حقوقية مصرية غير حكومية منها "الشهاب، والاتحاد المصري، والتنسيقية المصرية لحقوق الإنسان"، عمليات التصفيات الجسدية باعتبارها "قتلاً خارج إطار القانون، وأنها تصفية جسدية لمدنيين بعد القبض عليهم وإخفائهم قسريا وتعذيبهم".
فضلاً عن تزايد وتيرة عمليات الاختفاء القسري، مدللة على ذلك بمحاضر رسمية وخطابات قدمها أهالي الضحايا للنائب العام، قبيل إعلان الداخلية مقتلهم.
وارتفعت وتيرة هذه العمليات لتصل إلى أكثر من 100 حالة خلال العام الجاري، بينما بلغ عدد قتلى عمليات "التصفية" خلال العام الماضي أربعين شخصًا، بحسب مصادر حقوقية.
وقال العميد محمود القطري، الخبير الأمني، إن "الثلاجة منتشرة في جميع أقسام ومراكز الشرطة على مستوى الجمهورية، وهي عبارة عن حجرة صغيرة يتم الضغط على المحتجزين فيها بشتى الطرق للحصول على اعترافاتهم، من خلال إجراء مجموعة من أنواع التعذيب، والاحتجاز السري بطريقة غير قانونية، ولا تخضع للتفتيش".
وأضاف القطري لـ"المصريون": "لا يوجد ضابط يعمل بشكل غير قانوني إلا مضطرًا، نتيجة الضغوط الشديدة التي يواجهها الضباط من قبل القيادات الكبرى، بهدف استعجال نتائج التحقيقات لتهدئة الرأي العام، وخاصة في القضايا الكبرى، من خلال الاتصال بضباط المباحث وتسفيههم لاستعجال النتائج".
وتابع: "هذا الضغط الكبير على الضباط يجعلهم يتخذون إجراءات تعسفية ضد المشتبه بهم، من خلال غرف الاحتجاز السرية "الثلاجة"، للانتهاء من القضايا في وقت قصير، إرضاء للقيادات الأعلى، نظرًا لأن ترقياتهم تتوقف على ما يكتبونه من تقارير، فالضابط "النوبتجي" يرفض احتجاز أو استلام أي شخص من ضابط المباحث بدون إذن من النيابة، وكذلك وكيل النيابة لا يسمح باحتجاز المتهم إلا في حالة وجود دلائل وصلة للمشتبه به بالواقعة، لذلك فإن ضابط المباحث يلجأ إلى "الثلاجة".
وأوضح أن "حجم التعذيب الذي يتعرض له المحتجزون داخل "الثلاجة" يختلف باختلاف نوع القضية التي يتهمون فيها، حيث يقوم ضابط المباحث بتعليق المحتجزين والتنكيل بهم، حتى يعترفوا بارتكاب التهم الموجهة إليه"، مشيرًا إلى أنه "في بعض الأحوال يتم تلفيق التهم لبعض المسجلين في قضايا سابقة".
وعزا الخبير الأمني ذلك إلى "استعجال قيادات الشرطة إنهاء القضايا الهامة، لإظهار الشرطة في مظهر الكفء، وعدم توفير النفقات اللازمة لتوجيهات البحث الجنائي بالطرق المشروعة، والاعتماد على طريقة وحيدة وهي سياسة تعذيب المشتبه بهم وإقرارهم".
وأشار إلى أن "هناك سببًا رئيسيًا آخر يتمثل في أن نظرة رجال الشرطة والعسكريين بشكل عام إلى المدنيين والتي تربينا عليها في كلية الشرطة، أنهم أقل منا في كل شيء وفي مستوى الذكاء، وتعلمنا الافتخار بأنفسنا، كما كنا نتلقى في الكلية تعليمات بألا نتحدث مع المدنيين كثيرًا، ولا نركب مواصلات مع فئات الدرجة الثانية في المجتمع، ولا نجلس في الكافيهات الشعبية، لدرجة أنه في حالة وجود مشاجرة بيننا في الكلية كان المتشاجران يدخلان العنبر ويغلقان على نفسيهما ويتصارعان حتى يهدآ، وهو ما تسبب في وجود فجوة داخل ضباط الشرطة بشكل عام".
واعتبر القطري أن "الحل للقضاء على تلك الظاهرة، هو تعديل سياسات الوزارة، واتباع سياسة استعجال الإجراءات وليس استعجال النتائج من الضباط، لضمان عدم لجوء الضباط إلى تلك الحيل غير القانونية، التي لاتخدم المجتمع وتسيء لسمعة مصر في الأوساط الدولية، كما يجب أن تنتشر مبادئ حقوق الإنسان بين جميع رجال الشرطة مثلها مثل انتشار الماء في خلايا جسم الإنسان، لتتمكن من القيام بدورها بطريقة صحيحة".
وأكد القطري أن "الثلاجة" لها صلة رئيسية بالاختفاء القسري، فهي تعتمد على احتجاز شخص لم يتم عمل محضر قانوني ضده، ولا يوجد أي دليل على وجوده بقسم الشرطة، ويعتمد عليها ضباط الشرطة خوفًا من تعرضهم للمساءلة القانونية، إذا ما تعرض المحتجزون لضرر بالغ أثناء استجوابهم.
ي الإطار ذاته، قالت الدكتورة ماجدة عدلي، الناشطة الحقوقية، ورئيس مركز "النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، إن "الثلاجة تعتبر إرثًا حافظت عليه الأنظمة المتعاقبة منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وما يحدث بداخلها يعد أمرًا مأساويًا مخالفًا للدستور، فالقانون ينص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وألا يتم التحقيق معه بدون تواجد المحامي الخاص به، وكذلك الإعلان عن مكان تواجده في مدة لا تزيد على 24ساعة".
وأضافت عدلي لـ"المصريون": "المحتجزون يتعرضون داخل تلك الغرف غير الآدمية لشتى أنواع التعذيب، وبدون وجود أية مستندات تثبت تواجدهم داخل تلك المقار الشرطية، حيث يتم في البداية ضربه ضربًا مبرحًا والوقوف على صدره وهو ما يعرف بـ"التشريفة"، ومن ثم يتم ربط الشخص من يديه خلف ظهره وتعليقه في الشباك أو السقف واستجوابه وهو على هذه الطريقة، ويصل الأمر أيضًا إلى التعذيب بالكهرباء في الأماكن الحساسة بجسده، والتي تتسبب عنها أحيانًا صدمة عصبية ينتج عنها الموت".
وأشارت عدلي إلى أنه "يجب على النيابة العامة التفتيش المفاجئ لكل الأقسام بين الحين والآخر، للتصدي لمثل تلك الغرف "الثلاجة"، والتي تؤدي في كثير من الأحيان إلى اعتراف المحتجزين بجرائم لم يرتكبوها، وهو ما لايخدم المجتمع أو القانون".
وقالت الناشطة الحقوقية، إن "انتهاك قوانين حقوق الإنسان كان الغطاءً الذي اتخذته الولايات المتحدة لوقف المعونة عن مصر"، منتقدة أداء المجلس القومي لحقوق الإنسان "الذي يقف مكتوف الأيدي أمام تلك الانتهاكات، ويقتصر دوره على تقديم المقترحات، وفي حالة رغبته في زيارة أقسام الشرطة أو السجون تتم المماطلة معه، وعند الموافقة على الزيارة يتم إعلام تلك الأقسام أو السجون بموعد الزيارة، وبالتالي يتم تزيينها والاستعداد التام للزيارة".
ولاحظت عدلي أن "حالات الاختفاء القسري كانت محدودة للغاية، إلا أنها في الآونة الأخيرة أصبحت ظاهرة منتشرة بشكل مكثف"، معتبرة أن "الاختفاء له معنى واحد وهو "التعذيب" فلو لم يكن المختفي يتعرض للتعذيب المخالف للقانون، لما تم الإخفاء".
أرسل تعليقك