كشف عدد من الخبراء والمسؤولين في القطاع الصناعي أن عدد المصانع المتعثرة يزداد يومًا بعد الآخر، في ظل تجاهل الحكومة لمشكلاتهم التي أدت إلى تعثر ما يزيد عن 4 آلاف مصنع، ومؤكدين أن تجاهل الحكومة يجعل من "المصانع المتعثرة" قنبلة موقوتة من الممكن أن تنفجر في أي وقت، وأن تشغيل تلك المصانع تُعد خطوة أولى على الطريق الصحيح وحل أزمة البطالة، مشددين على ضرورة حل مشكلة المصانع المتوقفة عن العمل، قبل جذب الاستثمارات الأجنبية، لما لتلك المصانع من أولوية في التشغيل، مطالبين بضرورة وضع حلول للمشكلات التي تتسبب في تعثر وتوقف تلك المصانع، خاصة المتعلقة بأزمات التمويل، مشيرين إلى أهمية الوصول لصيغة توافقية بين تلك المصانع والبنوك حتى يتم تجاوز أسباب التعثر بصورة نهائية.
وأشار الخبراء الى ضرورة الترويج الجيد للمصانع المتعثرة، التي انتظرت على مدار الأعوام الماضية مع تعاقب الحكومات المختلفة على إدارة البلاد حلولا جادة لمشكلاتها, خاصة أن توقفها كان للظروف السياسية والاقتصادية السيئة التي عاشتها مصر عقب ثورة 25 يناير، حيث كشفت إحصائيات مركز تحديث الصناعة، أن عدد المصانع المغلقة نتيجة التعثر المالي والفني وصل إلى 552 مصنعًا، فيما قال منير فخري عبد النور وزير الصناعة والتجارة السابق، إن عدد المصانع المتعثرة وصل إلى 855 مصنعًا، بينما أعلن الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين من كل المحافظات أن عدد هذه المصانع التي توقفت عن العمل نتيجة التعثر وصل إلى 2500 مصنعًا، منها 300 مصنع في أكتوبر، و160 في برج العرب، و150 في العاشر، وكل مصنع قادر على توفير 200 فرصة عمل في المتوسط وبالتالي سيتم توفير نحو 500 ألف فرصة عمل إذا عادت هذه المصانع للعمل.
ويرى مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور عبد المنعم السيد، أن المصانع المتعثرة تمثل "تركة ثقيلة" خلفتها حكومات ما بعد الثورة, لافتًا إلى أن الحكومات التي تولت أمور مصر فشلت في حل مشكلات ما يزيد عن 4 آلاف مستثمر صناعي توقفت استثماراتهم للظروف السياسية والأمنية والاقتصادية السيئة التي طالت جميع القطاعات الاقتصادية في مصر، مشيرًا الى أن روشتة إنهاء حالات التعثر تتضمن جدولة ديون المصانع لدى البنوك وتدشين حزمة جديدة من التيسيرات الحكومية للمصنعين، وتشكيل لجنة جديدة من وزارة الصناعة لإحصاء وتصنيف المصانع المتعثرة.
وأكد نائب رئيس جمعية الصناع المصريين، وليد عزب، أن المصانع الصغيرة والمتوسطة تكبّدت خلال الأعوام الماضية خسائر تقدر بما يزيد عن 600 مليون جنيه, منتقدًا عدم اتخاذ الحكومة لإجراءات جادة تساهم في انقاذ المصانع المتعثرة وتدعيمها بشكل قوي، مطالبًا الحكومة باتخاذ عدد من الخطوات الجادة التي تساعد على إنهاء حالات التعثر، وضرورة تدشين خطة استثمارية جديدة تتضمن إطارًا زمنيا محددًا تقوم الحكومة بتنفيذها لإنقاذ تلك المصانع, لتخرج من حيز الشعارات إلى حيز التنفيذ على أرض الواقع.
وأضاف أن القطاع الصناعي في مصر ما زال يصطدم ببعض القرارات الحكومية غير المدروسة التي تصطدم بعد إقرارها بقرارات أخرى تمنع تنفيذها، وهو ما يشير إلى حالة التخبط التي يعيشها القطاع الاقتصادي في الوقت الحالي وسط بيروقراطية القرارات الحكومية في مصر، مؤكّدًا أن منظومة الاستثمار في مصر غير عادلة، إذ يحصل المستثمر الصانع على قروض من البنوك بنفس الفائدة التي يحصل عليها التاجر, على الرغم من اختلاف دورة رأس المال في القطاعين, مطالبًا بتدشين تيسيرات جديدة من خلال الحكومة تساعد على عودة المصانع للعمل بكامل طاقتها.
وأوضح عزب أن ديون البنوك لدى المصانع لا تزال تمثل صداعا في رأس المصنعين, كما أن البنوك لا تقدم اي تسهيلات تساعد على حل القضية التي تمس عددا كبيرا من المصانع, مطالبا بضرورة دعم البنوك للمصنعين وجدولة ديونهم.
وكشف عضو المجلس التصديري للكيماويات، وليد هلال، أن حلول تعثر المصانع تتضمن في المقام الاول جدولة ديونها لدى البنوك على فترات طويلة من أجل التسهيل عليها في سداد التزاماتها, مطالبا بمبادرة تتبناها الحكومة لمساعدة المصنعين على مواجهة التعثر المستمر مع إجراء تصنيف لمشكلات التعثر لدى كل مصنع والعمل على تعميمها وحلها، وقال إنه جاء الوقت لتعتمد الحكومة على المستثمرين المحليين من خلال تشجيع رؤوس الأموال الوطنية مع عمل تيسيرات تساعدهم على توسيع أعمالهم في السوق بما يتناسب مع حجمه, مضيفًا أن السوق كان وما زال يعاني من المستثمرين الأجانب وسيطرتهم على بعض الصناعات في مصر.
ونوّه الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات الأسبق، الدكتور حمدي عبد العظيم، في دراسة اقتصادية حديثة الى حجم الخسائر التي تكبدتها المصانع نتيجة حالات التعثر عقب ثورة 25 يناير، والتي وصلت إلى نحو 50 مليار جنيه, مشيرًا إلى أن تعثرها نتج عن توقف ما يزيد على 4 آلاف مصنع يعمل في مختلف القطاعات ما بين المصانع الثقيلة والصغيرة والمتوسطة التي تعدت خسائرها ما يزيد على 500 مليون جنيه.
وأضاف أن الدولة لم تنجح في حل المشكلة منذ حكومة عصام شرف في 2011 وحتى حكومة إبراهيم محلب السابقة, وقال إن المصانع المتعثرة على الرغم من أنها جاءت ضمن خطة التحفيز الحكومي الحالية لدعم 4 آلاف مشروع متعثر بنحو 34 مليار جنيه إلا أنها مازالت القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في وجه الحكومة إذا ما استمرت في تجاهلها، معللًا خطورتها بوجود حجم كبير للعمالة المصرية بالقطاع الصناعي وهو ما يمثل أزمة أمام الحكومة إذا ما تعثرت المصانع، مؤكدًا أن الحل الجذري للقضاء على تعثر المصانع هو البدء في تدعيم وتمويل الصناعات الصغيرة, التي تحتاج إلى سيولة لإتمام عملياتها مع تقديم تسهيلات جديدة تساعدهم على الرجوع إلى السوق مرة أخرى، مشيرًا إلى أن التسهيلات تتضمن دعمهم بقروض بنكية دون احتساب فوائد ومد مهلة سداد الديون عليهم وجدولة الأقساط المتأخرة عليهم.
وعن مبادرة البنوك لدعم المصانع المتعثرة أكد الخبير الاقتصادي أن البنوك لن تمول مشروعات ذات مخاطر ائتمانية عالية, وأنها تبحث دائما عن أمان القرض الخاص بها بالإضافة إلى تحقيق هامش ربح جيد دون الدخول في مبادرات تحد من أرباحها.
واعترف عضو مجلس الإدارة المنتدب والرئيس التنفيذي لبنك المؤسسة العربية المصرفية، أكرم تيناوي، أن البنوك مرّت خلال المرحلة السابقة بحالة من الإحجام عن المستثمرين والمشروعات, مشيرًا إلى أنها كانت بمثابة مواجهة لاضطرابات السوق والقطاع الاقتصادي المصري, موضحا أن البنوك ستقوم خلال الفترة المقبلة بالاتجاه إلى دعم المستثمرين والمشروعات الكبرى من أجل فتح الأسواق مرة أخرى.
أرسل تعليقك