تواجه الحكومة المصرية وضعًا سياسيًا غير مستقر منذ ثورتي 25 يناير و٣٠ يونيو، إلى جانب وضع اجتماعي حرج وشعور عام بعدم تحقيق مطالب الثورة بعد مرور أكثر من أربعة أعوام عليها، ويصاحب ذلك تأزم في الوضع الاقتصادي الذي يعاني من ركود تضخمي، تراجع فيه معدل النمو وزادت البطالة وارتفع عجز الموازنة والدين العام، كما ارتفعت الأسعار خصوصًا السلع الأساسية.
ومنذ عام 2011 بدأت في مصر ما يُعرف بالسوق الموازي أو السوق السوداء حيث يوجد سعران للدولار سعر رسمي وآخر في السوق السوداء وربما يرجع ذلك إلى أكثر من عامل أهمها انخفاض الحصيلة الدولارية لمصر بسبب انخفاض السياحة من 12 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 3 مليارات دولار حتى عام 2013، وانخفاض الصادرات المصرية، بالإضافة إلى السياسات النقدية التي اتخذها البنك المركزي في عام 2011 و2012 ومحاولته المستمرة لتدعيم الدولار علي حساب الاحتياط النقدي من الدولار والذي وصل إلى 36 مليار دولار عام 2010 وإلى أقل من 15 مليار دولار حتى عام 2013 وما زال الاحتياط منخفض حاليا في حدود 15.8مليار دولار.
كل هذه العوامل وغيرها ساهمت بشكل كبير في تكوين وإنشاء السوق السوداء للدولار الأميركي، أما الآن ومع تولي محافظ البنك المركزي الجديد طارق عامر قيادة المركزي وسط آمال كبيرة من رجال الأعمال والمصرفيين في أن يضبط عامر سعر صرف الجنيه مقابل الدولار ومع إعادة المجلس التنسيقي بين السياستين المالية والنقدية للمركزي.
وجاء قرار الرئيس السيسي بتشكيل المجلس برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية محافظ البنك المركزي ونائبه ووكيل المحافظ للسياسات النقدية ووزراء المال والاستثمار والتجارة والصناعة، بالإضافة إلى عضوية محافظ البنك المركزي السابق الدكتور فاروق العقد، والاقتصادي العالمي الدكتور محمد العريان، ورئيس المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الدكتورة عبلة عبد اللطيف.
ووفقا للقانون يضع المجلس التنسيقي أهداف السياسة النقدية بما يحقق الاستقرار في الأسعار وسلامة النظام المصرفي.
وأوضح أستاذ البنوك والتمويل في جامعة القاهرة والخبير المصرفي الدكتور هشام إبراهيم، أن سعر صرف الدولار لن يرتفع إلى 13 جنيها، وأن سياسات المركزي برئاسة طارق عامر تهدف إلى تحجيم سعر صرف الدولار مقابل الجنيه والعمل على توفير الدولار في السوق من خلال رفع سعر الفائدة على الجنيه وتقليل أسعار الفائدة على النقد الأجنبي.
وأضاف إبراهيم أن للمجلس التنسيقي للمركزي دور كبير خلال الفترة المقبلة في التنسيق بين القرارات المالية والنقدية خلال الفترة المقبلة، نافيًا حدوث أي زيادة في أسعار صرف الدولار خلال الفترة المقبلة.
وأكد عضو شعبة الصرافة في الاتحاد العام للغرف التجارية بلال خليل، أن ارتفاع سعر الدولار في البنوك، جاء بقرار من "المركزي" لتقارب أسعار الدولار بين السوقين، الرسمية والسوداء، مما يساهم في القضاء على السوق الموازية، خصوصًا بعد ارتفاع الدولار في السوق السوداء إلى7.85 جنيهات.
وأضاف أن الفترة الأخيرة، شهدت إقبالًا على شراء العملة الأميركية "الدولار"، من السوق الموازية، لافتا إلى أن ذلك أحدث أزمة في تعاملات البنوك، مشيرا إلى أن عمليات البيع بالنسبة للورقة الخضراء، كانت تتم خارج البنوك، موضحا أن القرار سيجذب مزيدا من العملة الصعبة في البنوك، بعد أن تتخلى عن عملية البيع، موضحًا أن الدولة تدعم الدولار لصالح المستوردين وليس لصالح الجمهور.
وقالت الخبيرة المصرفية الدكتورة بسنت فهمي، إن سعر الدولار يخضع للعرض والطلب، موضحة أنه طالما العرض ضعيف والطلب مرتفع فإن السعر سيرتفع، مؤكدة أنه على الحكومة والبنك المركزي اتخاذ سياسات من شأنها خفض الطلب ورفع المعروض.
وأشارت فهمي، إلى أن مصر تحتاج إلى 60 مليار دولار عملة أجنبية، لافتة إلى أن السياسات التي يجب أن تتخذها الحكومة والبنك المركزي تأتي من خلال خفض الطلب على الدولار ورفع حجم الاحتياطي الأجنبي وأنه على الحكومة أن تتخذ بعض الإجراءات ومنها منع استيراد بعض السلع الغير أساسية وأن مصر في حالة حرب، بالإضافة إلى فرض جمارك على بعض السلع الأخرى وتوجيه العائد من الجمارك لصالح الطبقات الفقيرة، وتقليل إنفاق الحكومة على السفر والسفارات ومكاتب التمثيل التجاري في الخارج.
وأضافت أنه على البنك المركزي والجهاز المصرفي دور رئيسي لرفع حجم الاحتياطي الأجنبي من خلال وضع شروط للحد من الاستيراد، مؤكدة على ضرورة تشجيع رجال الأعمال والمستثمرين المصريين للاستثمار، وأن السياسة العامة غير واضحة المعالم.
وصرَّح أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة والخبير الاقتصادي في جامعة الدول العربية الدكتور أسامة عبد الخالق،بأنه لا يوجد فرق كبير بين السعر الرسمي والموازي، وأن مصر الآن في إطار تنفيذ مشروعات قومية كبرى مما تساهم في زيادة إيرادات الدولة، وتساهم في اقتناص الفرصة لتعويم الجنيه، موضحا أنه كان لابد من وجود نوع من التقارب بين السوق الرسمي والموازي، ولكن بشرط ألا يكون هناك مضاربة مصطنعة على سعر الدولار.
ولفت إلى أن هناك فئتين تتعاملان مع الدولار وهما فئة بهدف المضاربة وهي الدولة والبنك المركزي ويجب أن يكون لهم دور ايجابي في وقف عمليات المضاربة المصطنعة ورفع أسعار الدولار في السوق السوداء، والفئة الثانية المستوردين والمنتجين والتجار ويتعاملون مع الدولار ويحسبون كل التكلفة على أساس سعر السوق الموازية، موضحًا أنه لا يوجد أي ارتفاع في الأسعار نتيجة ارتفاع سعر الدولار في السوق الرسمية.
وأضاف عبد الخالق أن جزءا كبيرا في تهيئة مناخ الاستثمار الجاذب في مصر أن يكون هناك سوق مستقرة للصرف، ويجب ألا يكون هناك سوقين لسعر صرف الدولار، مما يؤثر على مناخ الاستثمار في مصر، وكون الحكومة تسعى لتقارب سعر الصرف بين السوقين سيساهم في القضاء على السوق الموازية وجذب الاستثمارات الأجنبية والعربية، لطمأنة المستثمر بأن هناك سوقا مستقرا لسعر الصرف لا تحدث عليه مضاربات.
وقال رئيس شعبة المصدرين في الاتحاد العام للغرف التجارية ونائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين المهندس علي عيسى، إن ارتفاع أسعار الدولار إذا تم بطريقة منظمة سيساهم في القضاء على السوق الموازية، لافتًا إلى أن هناك نقص في الحصيلة الدولارية نظرا لنقص العملة الأجنبية نتيجة تراجع السياحة وقلة الاستثمارات الأجنبية، والمساعدات الخارجية مقارنة بالأعوام الماضية والتي كانت تسد الفجوة بين العرض والطلب.
وأكد ضرورة القضاء على السوق الموازية، موضحًا أنه منذ سنوات في عهد الدكتور فارق العقدة لم تكن هناك سوق موازية لتوافر الحصيلة الدولاية، وأنه إذا استمرت هذه الزيادة ستؤثر على الأسعار وتنشأ موجة تضخمية.
من جانبه أوضح رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية الدكتور عادل عامر، أن من أبرز المستفيدين من ارتفاع الدولار هم المصدرون، إذ يتيح التصدير أرباحًا أكبر لهم حيث تزيد القوة الشرائية للدولار عند تحويله للجنيه، كما يشجعهم على زيادة أعمالهم وبالتالي زيادة تصدير المنتجات المصرية للخارج، بالإضافة إلى المستثمرين الأجانب خاصة الجدد منهم أو الذين يسعون لضخ مزيد من الاستثمارات إذ يستفيدوا من انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار.
وتابع عامر: "يظهر هذا في البورصة بشكل أوضح حيث يستطيع المساهم بنفس المبلغ بالدولار شراء كمية أكبر من الأسهم المدرجة بالبورصة المصرية بسبب ارتفاع الدولار، ومن المفترض أن ينعكس هذا الأمر بالإيجاب على البورصة المصرية، وزيادة ضخ الاستثمارات بها".
وأشار إلى أن البنك المركزي يُعد أحد المستفيدين من ارتفاع أسعار الدولار، إذ يرتفع سعر الدولار في السوق السوداء مع انخفاض قيمة الجنيه في البنوك بسبب فقر الموارد الدولارية، وقد ينتج عن هذا ارتفاع أسعار السلع المستوردة، خاصة التي يتم تمويل استيرادها من السوق السوداء بشكل قد يخفض الطلب عليها في الأسواق المصرية وبالتالي تقليل استيرادها في الوقت الذي يشجع فيه ارتفاع الدولار على زيادة الصادرات، لافتا إلى أن شركات الصرافة والأفراد الذين يعملون في السوق السوداء للدولار من أبرز المستفيدين من ارتفاعه في البنوك.
ونوَّه بأنه رغم أن البعض يرجع سماح البنك المركزي بانخفاض قيمة الجنيه بالبنوك لمحاربة المضاربين في السوق السوداء، ولكن الواقع يظهر أن من أهم أسباب أزمة السوق السوداء للدولار في مصر هو فقر الموارد الدولارية خلال العامين الماضيين وهو ما يصعب معه القضاء على السوق السوداء بهذا الإجراء فقط، بل ستكون هذه السوق من ضمن المستفيدين وهو ما حدث بالفعل خلال الأيام الماضية.
وقال إنه من المتوقع أن يستفيد العاملون في مصر من أصحاب الرواتب الدولارية من ارتفاع سعر الدولار، وهو سينعكس عليهم بزيادة القدرة الشرائية للأموال التي يتلقونها عن عملهم، خاصة إذا استطاعت الدولة السيطرة على أي ارتفاع في أسعار السلع قد ينتج عن ارتفاع الدولار، أو في حالة الاعتماد على شراء السلع التي تعتمد في إنتاجها على مواد الخام المحلية.
وأرجع أسباب انتعاش السوق السوداء للدولار بمصر إلى نقص العرض من الموارد الأجنبية، وبالتالي فإن العملات الأجنبية المتاحة للبنوك لا تكفي لتغطية الاعتمادات المستندية للمستوردين، فيلجئون إلى السوق السوداء لتغطية احتياجاتهم، وعندما يعلم العاملون بالسوق السوداء بضغط الطلب على الدولار يزيدون في السعر.
وبيَّن رئيس شعبة المستوردين في الغرفة التجارية في القاهرة أحمد شيحة، أنَّ ارتفاع أسعار الدولار في البنوك، مجرد محاولة من "المركزي"، لاستقطاب بيع الدولار من السوق السوداء إلى البنوك، مشيرا إلى أنها محاولة غير ناجحة، لأن أسعار الدولار في السوق السوداء ترتفع 40 قرشًا عن الرسمي.
وشدد شيحة، على أن البنك المركزي فشل في توفير الاحتياجات من الدولار بما يوازي السوق السوداء، وبالتالي رفع التكلفة، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار الدولار، يعد رخصة للسوق السوداء، وشركات الصرافة، في رفع أسعار الدولار، منتهزين الفرصة في ارتفاعه رسميًا.
وتابع: "ارتفاع أسعاره رسميا لن يؤثر على قطاعات الأدوية أو المواد الخام، أو القطاعات التي توفر البنوك لها احتياجاتها من الدولار"، مشيرا إلى أن أغلب الشركات العاملة في السلع الاستهلاكية، تتأثر بشكل مباشر بارتفاع الدولار، لأنها توفره من السوق السوداء.
أرسل تعليقك