تمثّل الزراعة في مصر محورًا من المحاور الرئيسة للنشاط الاقتصادي، حيث يسكن نصف سكان مصر في الريف، وحسب بيانات الخطة الاقتصادية والاجتماعية لمصر للعام المالي 2015/2014، فإن قطاع الزراعة يسهم بنسبة 14.5 % من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ويستحوذ القطاع على نسبة 27 % من القوى العاملة في مصر، والبالغة نحو 26 مليون عامل، وتسهم الزراعة بنحو 20 % من حجم صادرات السلع المصرية، وتقدر المساحة المزروعة بمصر بنحو 8 مليون فدان، ما بين أراض قديمة، وأخرى تم استصلاحها خلال العقود الأربعة الماضية، إلا أن التحدي الأكبر في مجال الأراضي الزراعية بمصر هو استنزاف الأراضي القديمة جيدة الإنتاجية، بمتوسط سنوي نحو 20 ألف فدان، حيث يتم الاعتداء على الأراضي الزراعية من أجل إقامة البيوت السكانية.
وزاد الاعتداء على الأراضي الزراعية بغرض السكن على مدار السنوات الأربع الماضية، بعد ثورة 25 يناير بمعدلات كبيرة، ولكن على مدار السنوات الماضية، عانى النشاط الزراعي من مجموعة من المشكلات، جعلت العديد من العاملين فيه يعزفون عنه، ويتجهون لقطاع الخدمات، بحثًا عن دخل أفضل، كما أن الاستثمارات في قطاع الزراعة تكاد تكون محدودة، وكان للسياسات التي اتبعت في قطاع الزراعة دور كبير في الوصول لهذه النتيجة، ففي الوقت الذي ما تزال تقدم فيه أمريكا والاتحاد الأوروبي الدعم للقطاع الزراعي، تسرعت مصر في مطلع التسعينات من القرن العشرين برفع الدعم بصورة شبه كاملة عن قطاع الزراعة، مما أدى لتدهور أداء العديد من السلع الإستراتيجية التي كانت تتميز بها مصر، مثل القطن.
ويعاني الفلاحون من مشكلات عدة خلال الفترة الماضية، أبرزها ارتفاع تكلفة الإنتاج، وبخاصة السماد الذي تدعمه الدولة، ولا يصل للفلاحين بالأسعار المدعومة، ولكن بسبب الفساد فإن جزءا كبيرا من الحصة المدعمة من السماد تباع في السوق السوداء، وتحدث هذه المشكلة في ظل توفير الإنتاج من السماد بشكل كبير، حيث يقدر إنتاج مصر من السماد سنويا بـ 17مليون طن، في حين تقدر احتياجات مصر بـ 9 ملايين طن، فقط، ويتم التصرف في باقي الكمية عن طريق التصدير، إلا أن حصة السماد المدعومة واجهت مشكلات بسبب نقص الغاز المدعوم المقدم لشركات إنتاج الأسمدة، مما أدى إلى تراجع معدلات الإنتاج، وصرح المسؤولون عن هذه الشركات غير مرة، بأن الوفاء بكامل حصة السماد المدعومة مرهون بتوفير الدولة للغاز للشركات المنتجة.
وتعد مشكلة استلام الحكومة للمحاصيل الزراعية واحدة من المشكلات التي يعاني منها الفلاحون، حيث لا توجد سياسة ثابتة تجاه هذه القضية، على الرغم من ارتفاع الدعم المخصص للفلاحين بالموازنة العامة للدولة، والمقدر بـ 3.3 مليار جنيه مصري، بعد أن كان لا يتجاوز 200 مليون جنيه، وارتفع هذا الدعم بصورة كبيرة بعد أن التزمت الحكومة بعد ثورة 25 يناير برفع أسعار القمح المورد من المنتج المحلي للحكومة.
وأكد الدكتور علي محمد إبراهيم استشاري وخبير التنمية الزراعية، إن الزراعة تواجه مجموعة من التحديات التي تؤدي إلى نفور المستثمرين للدخول في القطاع وكذلك هروب العاملين فيه إلى قطاعات أخرى، فالزيادة السكانية المستمرة، وثبات الكميات المنتجة أو تراجعها، أو حتى زيادتها بنسبة لا تعادل الزيادة السكانية، يؤدي إلى مزيد من تبعية مصر الغذائية للخارج بشكل كبير، وبخاصة أن الأسواق الدولية للغذاء تشهد تقلبات سريعة، بسبب الاضطرابات المناخية، وكذلك تأثرها بالأحداث السياسية الدولية والإقليمية.
وأوضح إبراهيم أن الزراعة المصرية هي الدعامة الأساسية للاقتصاد القومي وتتصل بأكثر من 50% من سكان مصر، وتتأثر بوجود فجوة غذائية في مصر فضلًا عن الصناعات القائمة على المنتجات الزراعية، موضحًا أنه يوجد في مصر 90 مليون فدان رقعة زراعية وأكثر من 70% منها حاصلات زراعية والباقي حاصلات بستانية.
وأشار إبراهيم إلى أن الدولة تسعى إلى استصلاح الأراضي للنهوض بالزراعة لتقليل الفجوة الزراعية، لافتًا إلى أن أبرز ما يعوق التنمية الزراعية نقص الأيدي العاملة في القطاع الزراعي وأن 34% من العمال في مصر يعملون في القطاع الزراعي، وأضاف أن ارتفاع مستلزمات الإنتاج أيضًا من أبرز المشكلات التي تواجه القطاع الزراعي في مصر والمتمثله في الأسمدة والمبيدات مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة المنتج مما يقابله زيادة في أسعار بيع المنتج مما يقلل الإقبال على المشروعات الزراعية الكبرى.
ونوّه إبراهيم أن قلة الخبرة في سياسة إدارة المشروعات العملاقة وعدم اتباع سياسة زراعية لزيادة الرقعة الزراعية ورفع انتاجية المساحة من أبرز العقبات التي يواجهها القطاع الزراعي، لافتًا إلى أن هناك عدة مشروعات مثل مشروع توشكى الذي لم يحقق المرجو منه فإن الانتاجية كانت عالية رغم أن الاستثمارات كانت ضعيفة، بالإضافة إلى وجود معوقات تقابل المستثمرين رغم أنهم تملكوا الأرض بأقل القليل ومع ذلك لم يحققوا استثمار إلا القليل مما جعل البعض يصرح بفشل المشروع، وطالب الحكومة بدعم المستثمرين في القطاع الزراعي لإحداث نهضة حقيقية في القطاع الزراعي في مصر.
وأوضح أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وعد باستصلاح 4 ملايين فدان، أملا في إضافة أفقية جديدة للأراضي الزراعية لمصر، وكذلك زيادة المنتجات الزراعية والغذائية، وكذلك زيادة الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة، ولكن هذه المساحة، تعد كبيرة جدا من حيث إمكانيات استصلاحها في ضوء مقننات مصر المائية، وفي ظل أزمة سد النهضة، وما يمكن أن ينتج عنه من تأثيرات سلبية على حصة مصر من مياه النيل، وأضاف أن المساحة من حيث توفير الأراضي لا تمثل مشكلة، في ظل المساحات الواسعة غير المستغلة بمصر، ولكن الاعتبارات الاقتصادية تفرض نفسها، من حيث توفير الأموال اللازمة لعمليات الاستصلاح، وكذلك اعتبارات التكلفة من نقل مستلزمات الإنتاج أو نقل المنتجات النهائية لهذه الأراضي بعد دخولها مرحلة الإنتاج، فعلى سبيل المثال اتخذت حكومات سابقة قرارا باستصلاح أراض بمنطقة شرق العوينات، ولكن بقيت مشكلة النقل حتى الآن عائقا يحول دون التوسع في عمليات الاستصلاح هناك، فضلا عن تأثير المشروع على المخزون من المياه الجوفية بالمنطقة، وإمكانية نفاده خلال فترة قصيرة من السنوات.
وأكد الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي، أن الفساد الزراعي في مصر تفشى منذ فترة طويلة والسبب الأساسي فيه هو الميل للعمل على المناهج الأجنبية في الزراعة، عن طريق اقتناع الزراعة المصرية عدم السعي لسياسة الاكتفاء الذاتي وتنتج أنواع محددة للتصدير وتستورد في المقابل ما تحتاجه مصر من قمح أو منتجات زراعية أساسية في حياة المواطن مما تسبب في حدوث فساد إداري تبعه أنواع فساد أخرى ،وقال إن المستثمرين سعوا إلى تحقيق أموال طائلة عن طريق الاستيلاء على الأراضي الزراعية بزعم أنهم سيتم زراعتها ولكنهم يتواطؤون مع الفاسدين من وزارة الزراعة أو الري بإصدار قرار يوضح صعوبة توصيل المياه بشكل قانوني لهذه الأرض التي تم بيعها بسعر زهيد ولكن المستثمر يأخذ هذا القرار الذي ينتظر صدوره منذ شرائه للأرض، ويحولها إلى منتجعات وفيلات يبيعها بأسعار خيالية ويتربح من الأرض بشكل غير قانوني في الحقيقية ولكنه قانوني على الورق فقط.
وأشار إلى أن هناك مشكلة فساد كبرى في الزراعة وتؤثر بشكل أساسي على المواطنين وهي الاحتكار الذي يمارسه المافيا المتخفية التي تسيطر على كل شيء وتتحكم في أسعار السوق وتفرض التسعيرة المناسبة لها دون الالتفات لمصلحة المواطن، وقال الدكتور صلاح يوسف وزير الزراعة الأسبق إنه يجب على الدولة أن تحدد أهدافها في الزراعة ومعرفة ما تريده الدولة من القطاع الزراعي ووضع خطة تنموية يتم تطبيقها خلال 10 سنوات لا تتعلق بحكومة أو مسؤول وإنما خطة طويلة الأمد، وأن يكون هناك نظام مؤسسي.
وطالب بضرورة دعم الدولة للمزارعين من خلال توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة والمساعدة في تسويق المنتجات وتصديرها بأسعار جيدة، والعمل على دعم منظومة الزراعة من خلال ضمان توفير بيئة لبيع المحاصيل الزراعية ولدعم وجود إنتاج زراعي، حيواني، صناعي زراعي ، وعن قضية الفساد في وزارة الزراعة أوضح الدكتور صلاح يوسف أن المجتمع المصري واحد وليست وزارة الزراعة وحدها فاسدة فالفساد موجود في كل مكان وأن الفاسدين خارج الوزارة أكثر، مطالبًا بضرورة محاربة الفساد في جميع قطاعات الدولة.
أرسل تعليقك