القاهرة_ هناء محمد
سجّل معدل التضخم السنوي في مصر مستوى قياسيًا جديدًا، حيث قفز إلى 29.6% خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي مقارنة بـ 24.3% سجلها في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لتمثّل أول قفزة للتضخم منذ 31 عامًا سجلها بنسبة 35.1% عام 1986، وتوقعت مؤسسة "كابيتال إيكونمكس" أن يزداد معدل التضخم في مصر ارتفاعًا أكثر من المعدل الحالي، خلال الأشهر المقبلة، على أن يبدأ في التباطؤ مع منتصف العام الجاري.
وأوضحت "إيكونمكس" في ورقة بحثية لها، أن قرار البنك المركزي الذي اتخذه يوم الخميس الماضي بشأن "الإبقاء على معدل الفائدة دون تغيير رغمًا عن ارتفاع التضخم أي استمرار تشديد السياسات النقدية ورفع الفائدة لم يعد مطروح، وأكدت أن تباطؤ معدل التضخم في مصر قد يحدث بعد تقديم البنك المركزي خطوة خفض أسعار الفائدة، متوقعةً اتخاذها في الربع الأخير من العام الجاري، واتفق مع "إيكونمكس" كريس جارفيس رئيس بعثة صندوق النقد الدولي، الذي أكد على أن تباطؤ معدل التضخم مرهون بـ زوال الآثار الناجمة من تدابير "تعويم الجنيه" و برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي فرضه صندوق النقد الدولي للموافقة على قرض الـ 12 مليار دولار، وطالما بقيت السياسات النقدية مشددة أي رفع سعر الفائدة وعدم الامتثال لثباتها أو خفضها.
وأعلن "جريس" في تصريحات لشبكة "بلومبرغ" أن معدل التضخم تسارع في المناطق الحضرية بنسبة 28% بمعدل سنوي، وأصدر البنك المركزي قرارًا يوم الخميس الماضي بالإبقاء على معدل الفائدة أي ثبات أسعار الفائدة للإيداع والإقراض 14.75%و 15.75%، بعد أن رفعها 300 نقطة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أي 14.75% لسعر الفائدة على الودائع، وتوقع وزير المال الدكتور عمرو الجارحي ارتفاع معدل التضخم وبلوغه الذروة بحلول نهاية الربع الأول من العام، مؤكدًا على انخفاض معدلات التضخم في نهاية مارس/آذار المقبل
وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أسباب ارتفاع معدل التضخم السنوي الذي بلغ 29.6% وتوقعات بارتفاعه عن هذا الحد، إلى زيادة أسعار السلع الغذائية المرتفعة بنسب متفاوتة تتراوح بين 7 لـ 15% شهر يناير الماضي مقارنة بشهر ديسمبر الماضي، وأرجع المحلل المالي الدكتور عمرو عادلي، سبب ارتفاع التضخم الرئيسي إلى قرار" التعويم" الذي اتخذه البنك المركزي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ بالإضافة إلى هيكل الواردات القائم الذي يعد الجزء الأكبر منه مدخلات إنتاج أو سلع نهائية استهلاكية مثل الغذاء والمنعكس في ارتفاع متوسطات الأسعار.
وأشار عادلي إلى تسجيل أسعار السلع الغذائية ارتفاعًا في مؤشر التضخم السنوي بنسبة 38.6%، يليها مؤشر الرعاية الصحية بنسبة 33.3% ثم مؤشر السلع والخدمات المتنوعة بنسبة 31.3% مقارنة بالعام الماضي، وفقا لآخر إحصائيات من جهاز التعبئة العامة والإحصاء، موضحًا أن هناك عوامل أخرى ساعدت في ارتفاع التضخم مثل ارتفاع أسعار المواد الأولية على مستوى العالم مثل السكر والمنتجات الزراعية، وارتفاع سعر البترول بشكل نسبي، ومضيفًا أن "السياسات النقدية المشددة هي السيطرة على المعروض النقدي، وتوقف "المركزي" عن سياسته المتبعة من طبع الأموال وإقراض الحكومة خلافًا للجهاز المصرفي والتي تعرف أيضًا بالسياسات النقدية الانكماشية" تلك هي حزمة السياسات المسيطرة على التضخم.
وأوضح عادلي أن التضخم لديه مصدر آخر يساهم في ارتفاع معدله وهو عجز الموازنة العامة، مؤكدًا على أن تباطؤ معدل التضخم مرهون بعدد من العوامل بداية من استيعابنا للصدمة التضخمية وهي انخفاض الجنيه أمام الدولار التي تؤدي إلى التضخم؛ ولكنها في ذات الوقت تؤدي إلى الركود أي تراجع القدرة الشرائية للجنيه ومن ثم يحدث خفض في مستويات الاستهلاك والذي يعد الكابح لمعدل التضخم، وفيما يتعلق بقرار المركزي بإبقاء معدل الفائدة، قال عمرو عادلي، إن البنك المركزي اعتاد منذ سنوات على رفع فائدة الايداع والاقراض بهدف خفض التضخم ومكافحة الدولارة أي منع المواطنين من شراء الدولارات، وتجميد أموالهم من خلال الودائع المطروحة من قبل البنك المركزي والبنوك الحكومية أو من خلال تشجيعهم على بيع الدولار عن طريق رفع الفائدة على الجنيه، مشيرًا إلى أن "الجانب السلبي في سياسة رفع الفائدة أن البنك المركزي أكبر مقترض من الجهاز المصرفي وبالتالي رفع الفائدة المستمرة تترجم إلى عبء دين أكبر؛ مما يساهم في عجز الموازنة، ورفع تكلفة الائتمان مما يؤثر على فرص الاستثمار الأجنبي في أكثر وقت يحتاج فيه الاقتصاد للتحفيز وجذب مستثمرين".
وشدّد عدلي، على وجود تناقض مع سياسة الصندوق،خاصة أنه لا يمكن قيام سياسة الصندوق على رفع تكلفة الائتمان إلى ما لا نهاية، لانها سترتبط بحالة الركود التي ستصاب بها مصر في الفترة المقبلة نتيجة ارتفاع معدل التضخم، موضحًا أن التحدي الحقيقي الذي سنواجه ليس السيطرة على التضخم بقدر ما هو الخروج من الركود.
وأفادت الخبيرة المصرفية، بسنت فهمي، أن ارتفاع معدل التضخم جاء نتيجة زيادة الطلب على المعروض والمشكلة الأكبر هي حالة التذبذب التي أصابت قيمة الجنيه أمام الدولار، موضحة أن الدولة غير منتجة وبالتالي نجبر على الاستيراد، ولكن هذا يدل على توافر الفلوس في البلد" الناس بتشتري لو مفيش طلب عالي مفيش تضخم"، موضحًا أن ارتفاع معدل التضخم لمستويات قياسية من شأنه أن يحدث ركودًا اقتصاديًا ويخلق العديد من الأزمات المباشرة والتي بدأت بالفعل مع ارتفاع الأسعار التي صاحبت قرار تعويم الجنيه.
وبيّنت فهمي أن عدم الرقابة على الأسواق وجشع التجار وحزمة من الأسباب تشكل ارتفاع العوامل الأساسية للتضخم، وبالتالي فإن رفع سعر الفائدة المتبع من قبل البنك المركزي في السنوات الماضية لن يقلل معدل التضخم، بينما ارتفاع معدلات الإنتاج يحولنا من دولة مستوردة إلى مصدره مما يخفض معدل التضخم من تلقاء نفسه.


أرسل تعليقك