كشفت دراسة أجرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الحكومة وجهت ثلث الإنفاق العام في موازنة العام المالي الحالي 2015/2016، على "كبار الموظفين"، في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة في خطاباتها المتكررة، توجهها نحو زيادة الإنفاق على الاحتياجات التي لها أبعاد اجتماعية لمحدودي الدخل.
وقالت الدراسة الصادرة بعنوان "شفافية الموازنة: مكسب للجميع بلا خسائر"، إن النصيب الأكبر من الزيادة الحقيقية للإنفاق الحكومة - نسبتها 4% - موجهةً إلى قطاع الخدمات العامة الذي يضم كبار موظفي الدولة، والذي يشمل دواوين بعض الوزارات ودواوين المحافظات والرئاسة والجهاز المركزي للمحاسبات، ومجلس النواب "في حالة وجوده"، ويلتهم هذا البند وحده أكثر من ثلث المصروفات الحكومية، وهو مبلغ يزيد على ضعف ما تنفقه الحكومة هذا العام علي التعليم والصحة معًا.
وأكدت الدراسة التي تلقت "مصر اليوم" نسخة منها، أن نصيب الإنفاق على الصحة والتعليم والشباب والرياضة ظل شبه ثابت من إجمالي الإنفاق العام، وحتى قطاع الإسكان والمرافق قلت نسبته قليلاً عما قبل الثورة لأقل من 3%، رغم الخطاب الرسمي حول زيادة وحدات الإسكان الاجتماعي وزيادة مشروعات المياه والصرف والطرق.
أما ثاني أكبر قطاع يستحوذ على الإنفاق العام، فقد ظل – رغم التخفيض الذي لحق به نتيجة رفع أسعار الطاقة – هو قطاع الحماية الاجتماعية الذي يشمل في معظمه دعم الطاقة، ولكن هذا الدعم يذهب إلي الفئات الأعلى دخلاً.
وأشارت الدراسة إلى أن الإنفاق علي التعليم والصحة والحماية الاجتماعية في موازنة العام المالي الحالي 2015/2016، ينمو بالسالب بسبب ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم، بعكس ما تعلنه الحكومة من زيادة الإنفاق على هذه المجالات لتلبية احتياجات المواطنين.
وكشف هذا القياس انخفاض الإنفاق الحقيقي على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وفي المقابل زاد الإنفاق الحقيقي على كل من الدفاع، والمحاكم، والشرطة، وتنمية إقليم قناة السويس التي تظهر في قطاع الإسكان والمرافق، بأكبر معدل نمو حقيقي في نصيبها في موازنة العام الجاري، بينما كان نصيب تطوير العشوائيات يقل عن 1% من الإنفاق الاستثماري على هذا القطاع.
وأرجعت الدراسة التي أعدتها الباحثة في المبادرة سلمى حسين ، هذا التناقض بين الإعلان الحكومة بزيادة الإنفاق الاجتماعي، مقابل ما كشفته الدراسة من تراجع الإنفاق الحقيقي في هذه المجالات، لنقص المشاركة الشعبية والرقابة على تنفيذ الموازنة العامة للدولة، وهو ما يؤدي لتقوية المركز التفاوضي لبعض الأطراف الأكثر اضطلاعًا في الموازنة وهم جماعات ضغط المستثمرين – حسب الدراسة – مما يؤدي لعدم التمكن من الالتزام بوعود العدالة الاجتماعية.
وكشفت تحليل بيانات موازنة العام الحالي في الدراسة أن الموازنة غير قادرة على تلبية الاستحقاق الدستوري الخاص في مواد الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة، وذلك على مدى العامين الماليين الماضيين.
واستقرت نسبة الإنفاق على التعليم عند 4% من الناتج القومي، بدلاً من أن تزيد تدريجيًا لتصل إلى النسب العالمية خلال 3 أعوام، وكذلك قطاع الصحة حيث فوتت الحكومة للعام الثاني الوصول إلى الحد الأدنى الذي حدده الدستور، فلم تخصص إلا 1.8% من الناتج القومي هذا العام – مقابل 3% كحد أدنى بحسب الدستور على أن يزيد سنويًا بـ1% ليصل خلال 3 أعوام إلى النسب العالمية المقدرة بـ6% في حدها الأدنى.
وهو ما يعني أن هناك تعارض بين أولويات الإنفاق العام كما جاءت في الخطاب الحكومي، والأولويات بحسب نمو الإنفاق الحقيقي "بعد استبعاد أثر التضخم"، في الوقت الذي يجمع كل الأطراف حكومة وشعبًا على أن الاهتمام في الصحة والتعليم هو حجر الأساس للعدالة الاجتماعية، ولكن هناك تناقضًا كبيرًا بين ما تقوله الدولة، وما تخصص له الحكومة من الموارد.
وقالت الدراسة أنه يترتب على ذلك أن كل قطاع قد شهد انخفاضًا في الإنفاق الحقيقي، لن يستطيع أن يشتري نفس القدر من المستلزمات والخدمات الذي استطاع شراءها العام السابق، كما لا تستطيع الحكومة توفير القدر اللازم من الخدمات الذي يستوعب عدد السكان.
وضربت الدراسة مثلا، بأنه رغم زيادة موازنة الاستثمار في قطاع التعليم، لم تستطع الحكومة خلال العام المالي 2015/2016، أن تخصص إلا ربع الموارد اللازمة لبناء الفصول الدراسية التي يحتاجها الأطفال من المصريين في سن التعليم.
أرسل تعليقك