القاهرة- إسلام عبدالحميد
تشهد صناعة الغزل والنسيج في مصر، حالة من الانهيار والتفكك، تلك الصناعة العملاقة التي كانت أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري في الأربعينيات والخمسينيات، حيث تحولت هذه الشركات "بقدرة قادر" إلى مبانٍ متهالكة وآلات متوقفة، وعمال يشكون إلى الله حالهم، وبعد تفاقم الأزمة وإغلاق العديد من شركات الغزل والنسيج التابعة لقطاع الأعمال، كشركة مصر إيران، ومصر العامرية، وفسيتا، وبوليفارا، وغيرها من المصانع التي انضمت لقطار المصانع المغلقة، تم تشريد معظم العمال، وفصلهم من عملهم، لتكتب الحكومة تأشيرة قرب وفاة صناعة الغزل والنسيج في مصر.
ويرجع الجهاز المركزي للمحاسبات، خسارة شركات قطاع الغزل والنسيج في تقريره الصادر في الربع الأول من العام الجاري، إلى خمسة أسباب رئيسية، تتلخص في عدم جدوى اقتصاديات التشغيل بالشركة القابضة، وعدم وجود نظم تكاليف تسمح بتحقيق الرقابة على عناصر الإنتاج، وسوء أداء من تم تكليفهم من قبل الشركة القابضة بإدارة الشركات التابعة لها، ووجود منتجات مهربة بالأسواق، فضلا عن فرض رسوم جمركية متدنية على المنتجات المستوردة، وعدم وجود الخامات الكافية.
وفي لقاء مع عدد من العمال، قال كامل الفيومي وهو من القيادات العمالية بغزل المحلة، إن صناعة الغزل والنسيج في مصر، تمر بأزمة حقيقية، وللأسف هناك مئات من العاملين الآن يواجهون الفصل والتقاعد، ظنا من المسؤولين بأن تخفيف العمالة سيكون حلالا لمواجهة الأزمة، مؤكدا أن تصفية شركات الغزل والنسيج، هي سياسة دولة منذ السبعينيات، لكنها تفاقمت في عهد وزير الاستثمار الأسبق محمود محيي الدين في عهد مباركوأضاف القيادي العمالي أن الحكومة الحالية تتبع سياسة القضاء على الشركات وتخسيرها من خلال عدم توفير المادة الخام، وعدم إجراء الصيانة اللازمة للمعدات، وعدم تطوير المنتج ليواكب المنتجات العالمية.
وقال القيادي العمالي: "للأسف فإن الحكومة ساعدت في رواج الكثير من المنتجات التركية والصينية، حتى أصبح هناك مافيا لتهريب المنتجات التركية والصينية في الأسواق المصرية، والتي تباع بسعر أقل في الأسواق، مما أضر بصناعة الغزل المصرية، وعلى المسؤولين عن تلك الصناعة أن يقوموا بسرعة وقف استيراد تلك المنتجات، التي تضر بصناعات الغزل والنسيج المصرية"ويرى الفيومي أن التصميم، على الإبقاء على مجالس إدارة الشركة القابضة للغزل والنسيج الذي تتبعه 36 شركة، يعد أحد الأسباب الرئيسية في انهيار صناعة الغزل والنسيج، حيث إن مجلس الإدارة استلم الشركة دون أي خسائر، لكن في خلال السنوات الماضية تكبدت الشركة 35 مليار جنيه خسائر، مما يؤدي إلى كارثة، ستحل بتلك الصناعة قريبا.
وقال إن إدارة الشركة القابضة للغزل والنسيج، تقوم بمحاولات لإضعاف وتخسير الشركات، رغبة منها في الاستيلاء على الأراضي المميزة لشركات قطاع الغزل، لذا قامت بالتعاقد مع المكتب الأمريكي "وارنر" لإعادة هيكلة قطاع الغزل والنسيج، ووفقا لبيانات الشركة القابضة، فإن المكتب الأمريكي سيقوم بهيكلة الشركات بتكلفة ٦ مليارات جنيه، حيث سيتم تقسيم الشركات إلى مجموعات، كل مجموعة تضم ٥ شركات، وقد تمت دراسة أوضاع ٢٥ شركة من شركات الغزل والنسيج بغية تطويرها من جهته، أكد رئيس النقابة العامة للعاملين بقطاع الغزل والنسيج، عبدالفتاح إبراهيم، أن النقابة تقوم بمحاولات جدية لعودة العمال المتقاعدين، من خلال إرسال الملف كاملا إلى مجلس النواب، ويتضمن المعوقات الكبيرة التي تعاني منها تلك الصناعة، لافتًا إلى أن الاستيراد أحد أهم الأسباب التي دمرت صناعة الغزل والنسيج، بسبب السلع التي يتم توريدها لمصر والمدعمة من قبل دولها، مشيرًا إلى أن هناك العديد من شركات القابضة للغزل والنسيج، على رأسها شركات غزل المحلة، ووبريات سمنود، وحلوان، وكفر الدوار، ودمياط، والشرقية وغيرها، تعاني من مخاطر تدهورها خلال العقود الماضية، لافتًا إلى أن هناك محاور رئيسية لعبت دورًا في خراب صناعة الغزل والنسيج، منها عدم توافر المواد الخام من القطن والغزول، وعدم تطوير المصانع الوطنية التي تعاني من تهالك الماكينات، وعدم توافر قطع غيار لها، مؤكدًا أن مصر كانت تنتج 12 مليون قنطار قطن سنويا، والآن تنتج مليون قنطار فقط.
يقول القيادي العمالي بشركة المحلة للغزل، جمال عثمان، إننا نشعر أن الحكومة هي من تحارب صناعة الغزل والنسيج في مصر، محاولة منها للقضاء على تلك الصناعة المهمة، التي كانت في وقت من الأوقات أحد مصادر الدخل القومي المصري، وما يدلل على ذلك قيام الحكومة الآن بتصفية بعض مصانع الغزل والنسيج، تمهيدا لخصخصتها، حيث تعتبرها عبئا عليها، فقد أوقفت ما يقارب من 30% إلى 40%، والشركات المتبقية لا تعمل بكامل طاقتها وأكد أن قطاع الغزل والنسيج منهار، حيث لا يوجد تطوير ولا معدات مناسبة، مضيفا أن القطاع يعاني من الكساد منذ عشرين عاما، بسبب مشكلة الاستيراد -والتي وصفها بالفجة.
وأوضح أن قطاع الغزل والنسيج كثيف العمالة، ومشاكله كثيرة وتصفية الشركات ينتج عنها بطالة عالية، مؤكدا أنهم يريدون خطة واضحة ومحددة لتطوير الصناعة وأضاف أن خسائر شركة مصر للغزل بالمحلة بلغت في العام الماضي نحو 670 مليون جنيه، مما يتطلب بذل الجهود الكبيرة لتقليل الخسائر، وتطوير الأدوات المتاحة، في ظل الاسم الكبير للشركة، التي تستحوذ على 30% من إنتاجية شركات القابضة للغزل، وتعمل بـ5%، وبعضها يعمل بطاقة أقل، خاصة أن الشركة بحاجة إلى عمالة ماهرة إضافية، وتحتاج إلى توفير الخامات من القطن والبوليستر، مطالبا بضخ استثمارات جديدة في الشركة خلال الفترة المقبلة، مع تطوير الماكينات، ومسايرة الأسواق العالمية والموضة، لافتًا إلى أن الشركة بها مصانع منذ سنة 48 لم يتم تطويرها، وأن الشركة تواجه ذلك وتسعى لتسويق مخزون بنحو 400 مليون جنيه الفترة المقبلة.
وقال أحد أصحاب مصانع الغزل والنسيج الخاصة، حسن محمود، إن تلك الصناعة ستنتهي، وسيتم القضاء عليها تماما، فلم نجد أي سعي لتطوير وتحديث الماكينات أو استيراد أجهزة وماكينات من الجيل الحديث، والاكتفاء بماكينات قديمة خردة، مشيرا إلى أن بعض ملاك المصانع لجؤوا إلى إغلاق مصانعهم وتسريح العمال وتشريدهم، والسعي لبيع مساحات الأراضي الكائن عليها عنابر مصانعهم، وتحويلها إلى وحدات سكنية استثمارية، لتحقيق أرباح مالية بشكل سريع، وهذا ناقوس خطر ينذر بتحطيم صناعة الغزل والنسيج واندثارها، في حالة استمرار الحكومة تجاهل تلك المأساة وأكد محمود أن الحديث عن إنشاء مدينة صناعية على مساحة 34 فدانا، تابعة لهيئة التنمية الصناعية، تقع بين نادي الصيد وأسوار شركة غزل المحلة، يعد مشروعا وهميا يروج له المسؤولون، متسائلًا كيف نبني مدينة صناعية جديدة ويوجد مئات المصانع القائمة بالفعل؟ فهذا الفكر سيؤدي حتما لخراب اقتصاد الدولة.
وقال إنه على الرغم من توقيع مصر العديد من الاتفاقيات التجارية العالمية، في ما يتعلق بتحديد نسب فرض جمارك على السلع التي لها مثيل محليا، فإن نسب الجمارك التي يتم فرضها في مصر تعتبر أقل 50% عن مثيلاتها عالميا على الغزل والأقمشة والملابس الجاهزة، مما فتح الباب على مصراعيه، لاستيراد الملابس الجاهزة والقطنيات والغزل والأقمشة، مما أضر بالصناعة الوطنية المحلية، وانعكس على ضعف المبيعات، وأكد أن انهيار شركات الغزل والنسيج والملابس المصرية، سببه الاعتماد على ماكينات قديمة جدا وغير متطورة، مقارنة بمختلف دول العالم التي أصبحت تستخدم ماكينات حديثة جدا ومتطورة أقل استهلاكًا للطاقة، وأفضل في الإنتاج عشرات المرات، من الماكينات التي لا تزال تستخدمها المصانع المصرية.


أرسل تعليقك