ارتبط مصطلح "المعاناة" في مصر، بالطبقة الكادحة والعمال، الذين يعيشون حياتهم تحت ضغوط معيشية صعبة، فرضها عليهم واقع المجتمع المرير، وابتزاز رأس المال، ويعتبر مصنع "البرهان"، الذي يملكه بعض عناصر طائفة البهرة الهندية، الموجودة في مصر منذ عهود طويلة، أحد عوامل الواقع العامل المؤلم .
وجماعة "البُهرة"، تضم كبار التجار في العديد من الدول "ماليزيا ونيروبي ودار السلام وزنجبار"، واستوطنوا اليمن ومصر والهند وباكستان، وينشرون دعوة تزعم أن ''الإسلام 7 دعائم وهي الولاية والشهادة والصلاة والصوم والحج والجهاد والصدقة''، ويزعمون أن هناك نبي الله البرهاني ويعيش في دبي، وذكر في القرآن "يا أيها الذين آمنوا قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا"، وعدد أتباع هذه الطائفة حول العالم يُقدّر بمليون شخص غالبيتهم في اليمن والهند، وأعداد تلك الطائفة في مصر تقدّر البعض بـ 10 آلاف، ويتزايد عددهم منذ عهد الرئيس السادات وعلى مدار أكثر من 40 عاماً مضت، وسُمح لهم بالتملك داخل مصر وإقامة فنادق خاصة بهم وترميم مساجد إسلامية تابعة لعصر الدولة الفاطمية مثل مسجد الحاكم بأمر الله في شارع المعز لدين الله الفاطمي، مذهب طائفة البهرة منغلق على نفسه وهو مذهب غير دعوي وغير معلن يرفض الدخول إليه حتى لا تنكشف أسرارهم، وإن كانوا يتوافدون على مسجد الأقمر إلا أنهم لا يُقدّسونه وهم لا يصلون الجمعة على اعتبار أن الإمام غائب.
وجاءت طائفة البهرة إلى مصر في أواخر السبعينيات في عهد الرئيس السادات وبدأت في الازدياد في فترة الثمانينيات، وقد اتجه البهرة فور وصولهم إلى مصر إلى القاهرة الفاطمية، وأقاموا فيها وبدأوا رحلة البحث عن مراقد وآثار الفاطميين والعمل علي بعثها وتجديدها، ومن المعروف عن البهرة أنهم من كبار التجار ويقولون إنهم أحفاد الفاطميين، هاجروا أثناء الحكم الأيوبي وتنقلوا في البلاد حتى استقروا بالهند.
وتُقيم طائفة البهرة شعائرها علناً في مسجد الحاكم بأمر الله، ويفصل بينهم وبين أهل السنة في هذا المسجد ستائر أثناء الصلاة، فكل له صلاته التي تختلف عن الآخر، ويسير البهرة في شكل جماعات بشوارع القاهرة وترتدي نسوتهم زيّاً يختلف عن المصريين وكذلك رجالهم ممن يرتدون الجلباب القصير والبنطلون والطاقية البيضاء المزركشة، وهم لم يكتفوا بمجرّد الإقامة في مصر وبجوار القاهرة القديمة بل اتجهوا إلى أقامه المشاريع التجارية داخل مصر وأقامة مصانع في مدينة 6 أكتوبر، وبعضهم اشتروا بيوتاً ومحلات تجارية في الشارع القديم الذي يشق قلب القاهرة القديمة والمسمى بشارع المعز لدين الله الفاطمي.
ومصنع البرهان واحد من مصانع البهرة الموجودة في مصر، وبالتحديد في مدينة السادس من أكتوبر، وهي مصانع للورق، بدأ عمله منذ 24 عاما، عندما فتح أبوابه وقام بتعين عدد من العمالة المصرية، وكعادة مستثمري الخارج، أجبر صاحب المصنع العمال التوقيع على إستمارة 6، وبعد عدة سنوات، انتهت مدة الإعفاء الضريبي التي منحتها الدولة للمصنع، فقام صاحبه، ببناء آخر جديد بإسم مختلف وسجل جديد وبطاقة ضريبية جديدة، حتى يستطيع الحصول علي مدة إعفاء جديدة من الضرائب، ثم قام بنقل جميع الماكينات الموجودة داخل مصنع البرهان، إلي مصنعه الجديد المسمى "البركة"، واستعان مع المكينات بـ 7 عمال فقط من مصنعه القديم.
أما باقي العمال، فبدأ أصحاب المصنع، سلسلة من إجراءات التضيق، لإجبارهم على تقديم استقالتهم، فتركوهم بدون حوافز بدون بدلات، وقام ملاك الشركة، بالتعدي علي بعض العمال بالضرب والسب بعد رفضهم تقديم استقالتهم، هكذا يتعامل أصحاب مصانع البهرة مع العمالة المصرية، وسط غياب تام من مؤسسات الدولة الرسمية، ومؤسسات الدفاع عن العمال الحقوقية.
وأوضح أحد عمال المصنع، محمود شحاتة، 43 عامًا، أنه "رغم طول فترة عملي بالمصنع، والتي تزيد عن الـ 18 عاما، ورغم ما أملكه من قدرات وفنيات وخبرات، إلا أن أصحاب المصنع يعاملونني بقسوة وإهانة، لقمة العيش صعبة، حتى ولو في قلب مصنع للشيعة، فأصحاب المصنع دائما ما يخلطون بين العمل والطائفية، فهم شيعة ونحن سنة وبالتالي المعاملة غير جيدة".
وأضاف الأربعيني سعيد محمد الغندور: "حسبنا الله ونعم الوكيل، رغم مشقة السفر، من المنصورة إلي أكتوبر، فأنا أعمل منذ 25 عاماً، تحت وطأة اضطهاد أصحاب المصنع الشيعي، والمعاملة السيئة والتي غالبا ما تتعدى حاجز الاهانة اللفظية، ولم تكن هذه المعاملة محض صدفة، بل جاءت لعدة أسباب، فأصحاب المصنع يحاولون إجبارنا على تقديم استقالتنا من بعد أن انتهت بطاقتهم الضريبية وسجل المصنع التجاري".
وأوضح عزت أبو العين، 43 عامًا، أنه "لكل منا أسرة وأطفال في مراحل التعليم المختلفة، والحياة صعبة وأعبائها كثيرة، وأصحاب المصنع يحاولون قطع رزقنا، ورزق أولادنا من أجل مكاسبهم الشخصية"، مفنّدًا الأسباب التي دفعت أصحاب المصنع للتحايل لطرد العمال، ومشيرًا إلى أنه "افتتح ملاك المصنع الذي نعمل به، مصنعًا جديدًا يحمل بطاقة ضريبية جديدة، وسجل تجاري آخر، وذلك بعد أن نفذت بطاقتهم وسجل عملهم القديم، وقاموا بنقل عدد قليل من العمال إليه، أما نحن فيحاولون طردنا بشتى الطرق الممكنة"، "خذونا لحم ورمونا عظم"، بهذه الكلمات قطع عبد الجليل حمدي، حديث صديقه أبو العين، واستطرد: "أعمل هنا منذ 22 عام، منذ أن كان المصنع في بدايته الأولى، ارتفع المصنع وعلا شأن أصحابه بعرقنا ومجهودنا، نخلص في العمل ونقدم قصارى جهودنا، فلماذا يحاولون قطع لقم عيشنا؟!، يضيقون علينا العمل، كسياسة "تطفيش"، قاموا بإلغاء ساعات السهر، وأيام التطبيق، وخفضوا الحوافز والبدلات، ولم يتبق لنا سوى الراتب الرئيسي والذي لا يمكننا من عيش حياتنا بشيء من الكرامة، "اللي مش عاجبه يمشي"، هكذا ردهم دائما على شكوانا، قالها الحاج عبد المولى، صاحب الـ 43 عاما، بكل آسى وحزن، وتابع قائلا: أصحاب المصنع استغنوا عن خدماتنا بعدما أفنينا أعمارنا في العمل، يحاولون استغلال نفوذهم، باعتبارهم مستثمرين أجانب، ويستقون علينا نحن الغلابة، يضيقون علينا أعمالنا ليجبرونا عن الرحيل، لا نجد من يقف معنا، حتى مكتب العمل وجهات الدفاع عن حقوق العمال".
وأفاد خالد رضا السيد 18 عامًا أنه عمل في المصنع منذ الـ 11 من عمره، مشيرًا إلى أن "أصحاب المصنع هنود شيعة، ويلعبون معنا لعبة الطائفية، ويستغلون نفوذهم من أجل طردنا من المصنع، ويرفضون إعطاؤنا حقوقنا المسلوبة، أو أي تعويضات عن سنوات العمل"، واستلم إبراهيم السيد أحمد، فني بالمصنع، طرف الحديث قائلا: "أعمل منذ ما يقرب من 11 عاما، تعرضت لإصابات متعددة، كان أخرها إصابتي بالغضروف، ورفض المصنع إعطائي إجازات مرضية أو مصاريف العلاج، وتابع: مازلنا نعمل بكل طاقتنا وإمكانياتنا ورغم ذلك يحاولون طردنا من العمل، وسط كل هذه الأعباء المالية والمعيشية الصعبة".
وأوضح أشرف السيد شكر 23 عامًا أنه "قمنا بتحرير محضر ضد أصحاب المصنع، في قسم الشرطة، وفي مكتب العمل، بسبب محاولتهم تصفية ماكينات المصنع ونقلها إلى مصنعهم الجديد، إلا أنهم يزيفون الوقائع، ويدلسون في الحقائق، وهناك تواطؤ من الجهات الرسمية، وردا على كلام عمال المصنع، قال محمد عزت المستشار القانوني لمصنع البرهان، إن المصنع لا يملك النية لإغلاق أبوابه وتسريح العمال، مؤكدا أنهم سيعملون على تقديم الضمانات الكافية ليرتاح قلب العمال بأنهم لن يتركوا العملن مشيرًا إلى أن إدرة المصنع سوف تتقدم للعمال بجواب مختوم بأنهم لا يوجد لديهم أي استقالات تدينهم لزيادة الاطمئنان.
وأوضح عزّت أنه "رغم أن الكثير من العمال لا يستحقون الاستمرار في العمال، لأنهم مثلهم مثل كل العمال المصريين الذين لا يبحثون عن زيادة الانتاج وإنما يبحثون فقط على تضيع الوقت وانتهاء اليوم بدون أي فائدة، مبيّنًا أن العمال الذيين تم نقلهم إلى مصنع البركة، سوف يعودون مرة ثانية لارضاء باقي العمال لاننا لا يوجد لدينا أي نية لنقلهم إلى مصنع البركة لاننا ننتقي العمال الذين سيستفيد منهم العمل بزيادة الانتاج، وأكد أن الجميع يعلم أن الكثير منهم لا يعملون لأسباب كثيرة، منها كبر سنهم ومنهم المصاب الذي لا يدرك الحركة بسهولة ومنهم الكسول الذي لا يريد العمل.
أرسل تعليقك