تعد الطبقة الفقيرة بأنها الأكثر تضررًا من قرار تعويم الجنيه، ذلك القرار الذي قد يزيد نسبة المنضمين الى هذه الطبقة وتآكل الطبقة المتوسطة. وتعاني مصر من ارتفاع نسبة الفقر المادي، والفقر المدقع، بحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صدر في 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ويُعرِّف التقرير الفقر المدقع بـ"الفقر الغذائي" أي عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية.
بينما يُعرف الفقر المادي بـ"عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية وغير الغذائية كالمأكل والملبس والمسكن والصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات. وأفاد التقرير بارتفاع نسبة الفقر المادي في المجتمع المصري، من 26.3% في عام 2012-2013 – أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي – إلى 27.8% في عام 2015.
أما عن نسبة الفقر المدقع في المجتمع المصري، فقد ارتفعت من 4.4% في عام 2012-2013 – أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي إلى 5.3% في عام 2015، وأحد أكثر الأرقام الصادمة التي كشفها تقرير "الإحصاء" أن 81.8% من الفقراء غير مشتركين وغير مستفيدين بالتأمينات الاجتماعية، إذ يشترك في التأمينات الاجتماعية 8.7% فقط، فيما يستفيد من تلك التأمينات 8.9% من الفقراء.
وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن مبلغ 322 جنيهًا شهريًا للفرد يمثل متوسط قيمة خط الفقر المدقع، بينما يمثل مبلغ 482 جنيهًا شهريًا للفرد متوسط قيمة خط الفقر المادي، وقيمة خط الفقر للفرد هي تكلفة حصوله على السلع والخدمات الأساسية، وبالأخذ في الاعتبار انخفاض القيمة الشرائية للجنيه بنسبة 48% بعد قرار تعويمه، تنخفض القيمة الشرائية لمبلغ 482 جنيهًا بنسبة 48%، لتصبح 250.64 جنيهًا، وبذلك ينخفض "الفقراء المادي" إلى فئة دون "الفقر المدقع" تلك الفئة التي يحتاج الفرد فيها شهريًا ما لا يقل عن 322 جنيهًا غير عائم، وبذلك تصبح نسبة من هم دون فئة "الفقر المدقع" في مصر بعد تعويم الجنيه 27.8%، أي ما يوازي 25.729.219 مواطنًا مصريًّا.
وقبل التعويم قال اللواء أبو بكر الجندي رئيس "الإحصاء" إن 15% من سكان مصر ينفقون أكثر من 50 ألف إلى مليوني جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم إلى تلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 74 ألف جنيه سنويًا، وقبل التعويم ذكر الجندي أن 67% من المجتمع المصري ينفق ما بين 20 إلى 50 ألف جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم الى تلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 29.6 ألف جنيه سنويًا، وبذلك يتقلص عدد المنضمين تحت تلك الفئة التي تُعد بمثابة الطبقة المتوسطة، ويرتفع عدد المنضمين الى طبقات اجتماعية أدنى.
وأكدت أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر، أن الحكومة تدفع ثمن أخطاء الماضي، حين تم شحن الفقراء والمحتاجين ضد كل القرارات الاقتصادية، بدلًا من تعليم الشعب كيف يدبر معيشته. وأشارت إلى أنه بدلًا من الزيادة السكانية الكبيرة التي تضعف الحكومة وتلزمها بمصروفات كثيرة، كان الأولى أن يتعلم الشعب كيف يوفر كما يحدث في كل دول العالم.
وأوضحت أنه في كل بلاد الدنيا تعلم الدول الشعوب التوفير في استخدام الكهرباء والوقود، ومن لا يوفر يدفع، لكن في مصر يتحدث الإعلام طوال الوقت عن ظروف الشعب وغير القادرين، وذلك الحديث أثر في الشعب المصري، فأصبح ينتظر من الحكومة أن تقوم بكل شيء بدلًا منه، مؤكدة أنه ليس صحيحًا أن الطبقة المتوسطة ستتأثر من القرارات بشكل كبير، فالنسبة الغالبة من تلك الطبقة تعيش في دول الخليج، وبالرغم من المشكلات الاقتصادية التي يعيشها الخليج حاليًا، لكنهم لن يتأثروا كثيرًا بالقرارات الاقتصادية الأخيرة في مصر.
وقالت خضر إن التخوف الحقيقي من ذلك، التلاعب بعقول الناس، فتزداد الجرائم تحت تبرير الضغوط الاقتصادية، وهي الخطر الرئيس على المجتمع المصري.
وقال الخبير الاقتصادي رائد سلامة، إنه في ظل نسب فقر وبطالة مرتفعة في مصر لو أردنا الحديث حول تأثير القرارات الاقتصادية على الشق المجتمعي، فسيكون من واجبنا أن نركز على الطبقة العاملة تلك الطبقة التي تضم كل من يعمل ويكسب مرتباته من العمل المباشر، بعيدًا عن الاستثمار أو ريع الأراضي أو فوائد البنوك.
وأضاف رائد أنه كانت هناك شريحة من المواطنين قبل قرارات نوفمبر لم تكن من الأساس قادرة علي العيش في ظروف الحياة العادية، وكانت هناك شريحة أخري من المواطنين تستطيع العيش بصعوبة، لكن بأقل قدر من المعاناة بالمقارنة مع الشريحة المعدمة، وشريحة ثالثة كانت تعيش بشكل ملائم ومقبول بلا معاناة.
وتابع: عقب القرارات الاقتصادية من المتوقع أن يحدث تزحزح للشريحتين الأولى والثانية إلى الأسفل، بينما تستطيع الشريحة الثالثة أن تضبط إنفاقها لتستمر في الحياة دون معاناة كبيرة، والتحرك في شكل وأسلوب وطريقة تلك الشرائح لن يظهر في الوقت الحالي، ولكن سيأخذ وقتًا.
وأشار إلى أنه: "وفقًا للأرقام المتوقعة، فإن المصريين تحت خط الفقر سيزدادون بنسبة تتراوح على أقل تقدير ما بين 60% إلى 65% من إجمالي التعداد العام وتعد نسبة مفزعة، رغم أنها متفائلة جدًا ولو استمرت الآثار السلبية للقرارات والسياسات الاقتصادية قد تصل نسبة المصريين تحت خط الفقر إلى 70%، اختصارًا المجتمع المصري دخل في نفق مظلم بلا استعدادات كافية تحفظ استقرار المجتمع".
أرسل تعليقك