الزواج بين رجال الأعمال والسلطة، أو بين المال والسياسة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، كان له تأثيره السلبي على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان سببًا رئيسيًا في انطلاق ثورة 25 يناير، لكن رغم اندلاع ثورتي 25 يناير / كانون الثاني 2011 و30 يونيو / حزيران 2013، وتناوب عدد من الحكومات على السلطة، إلا أن علاقة الحكومة برجال الأعمال مازالت علاقة يشوبها الغموض والاتهامات المتبادلة ما بين استغلال النفوذ أو استغلال حاجة الدولة للحصول على مكاسب أكثر، سياسية ومالية، على حساب الشعب.
ويؤكد الخبراء والمختصون، أن رجال الأعمال يقومون بالضغط على النظام، لأن المقومات الاقتصادية التي يتبناها الرئيس تعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي ومساعدة الفئات الفقيرة، وهذا يتنافى مع مكاسبهم التي يطالبون بها النظام.
وعن سبب عجز الحكومة عن مواجهة رجال الأعمال، وهل السياسات الحكومية الحالية تخدم مجتمع رجال الأعمال أم الفقراء؟، وهل أصبحنا نعيش في جمهورية رجال الأعمال؟، استطلع "مصر اليوم" رأي عدد من الخبراء والمختصين في هذا الجانب.
في البداية أكد رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية والقانونية، الدكتور عادل عامر، أنه منذ عام 1993، بدأت عملية زواج السلطة برأس المال، إذ كان نظام "مبارك" منحازًا لرجال الأعمال، بعد تغير المفهوم الاقتصادي من الاشتراكي للرأسمالي، حيث صدر، خلال هذه الفترة أكثر من 165 تشريعًا يحابي رجال الأعمال، ويعطيهم امتيازات دون أن يحققوا أي تقدم.
وأضاف "عامر" أن رجال الأعمال، يضغطون على النظام، لأن المقومات الاقتصادية التي يتبناها الرئيس عبدالفتاح السيسي تعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي من أجل الفئات الفقيرة، وهذا يتنافى مع مكاسبهم التي يطالبون بها النظام، وأغفلوا أن الدستور الجديد حدد المفهوم الاقتصادي الليبرالي الاجتماعي، الذي يهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة والمتنوعة، لتستفيد منها الفئآت الأكثر فقرًا.
وأوضح أن رجال الأعمال يريدون الاحتفاظ بالمكتسبات التي حصلوا عليها من نظام "مبارك"، وأن يكون الاقتصاد رأسمالي حر، وألا يكون رأسمالي ليبرالي اجتماعي، لافتًا إلى أن تشكيل مجلس النواب المقبل هو الذي سيحدد استعادة رجال أعمال "مبارك" لنفوذهم مرة أخرى من عدمه، وأن الشعب المصري يعيش في جمهورية رجال الأعمال مع إيقاف التنفيذ، ولم تعد دولة رجال الأعمال كما كانت في السابق.
فيما لفت أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، إلى أن ائتلاف 30 يونيو تكون من قوى اجتماعية متعددة، منها رجال الأعمال، مبينًا أن رجال الأعمال يختلفون مع الرئيس في بعض الإجراءات الاقتصادية، ولكنهم لا يريدون رئيسًا غيره، وهم يعلمون أن الوضع أصبح أكثر استقرارًا، وأن مصالحهم ترتبط بوجود "السيسي" رئيسًا للجمهورية.
وأضاف "صادق" أن هناك ضغوطًا يمارسها رجال الأعمال لتغيير بعض سياسات الحكومة، ولكن الوضع اختلف الآن، فالشعب يمارس ضغوطًا كبيرة على "السيسي" بمطالب لا يستطيع تلبيتها وحده، فيحاول بدوره الضغط على رجال الأعمال، من أجل المساهمة في التنمية، وتحسين أوضاع الشعب، خاصة أن المطالب معظمها اقتصادية.
كما أشارت أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الدكتورة عالية المهدي، إلى عدم وجود حرب أو عداء بين رجال الأعمال والرئيس، ولكنها أكدت على وجود خلل لدى الحكومة في التعامل مع رجال الأعمال، وإدارة السياسة الاقتصادية، وأن من يدير السياسة الاقتصادية سواء المالية أو النقدية ليس لديهم الخبرة الكافية عن أسلوب الإدارة، وأن "السيسي" يدرك كل ذلك.
وأكدت "المهدي" أن هناك جيش قوي يقوم بضخ استثمارات كبرى في البلاد بمشاركة الحكومة، وأن دور رجال الأعمال يقاس بالاستثمارات التي يقومون بها، وأن القدرة على خلق فرص عمل تكمن في المشروعات الصغيرة والمتوسطة وليست في يد الجيش ولا رجال الأعمال.
واتفق معها نائب رئيس مركز القاهرة للدراسات القانونية والسياسية، الدكتور خالد حنفي، لافتًا إلى إن مصر ليست دولة رجال الأعمال منذ قيام ثورة 1952 ، وأنه حتى عام 2000 ظلت الدولة هي المسيطرة على 90% من اقتصادياتها و10% في يد رجال الأعمال، حتى ظهر تزاوج المال بالسلطة، حينما اعتلى بعض رجال الأعمال سدة الحكم في بداية التسعينات وحتى عام 2000، ومنذ ذلك الحين حتى عام 2010 ظهر رجال الأعمال وتوغلوا في الحياة السياسية، مما أدى إلى قيام ثورة 25 يناير، للمطالبة بالعدالة الاجتماعية.
وأكد "حنفي" أن الدولة المصرية ما زالت تسيطر على الصناعات كثيفة العمالة، وأن لديها 6.5 مليون موظف من نتاج عمل مؤسسات الدولة، ومازالت الدولة تجبر من يعملون على دفع الضرائب، فالدولة هي صاحبة الاقتصاد الأقوى وإن بدا أن رجال الأعمال هم المسيطرون على الوضع الاقتصادي.
فيما أكد رئيس قسم الإعلام في كلية الآداب في جامعة المنيا، الدكتور حسن علي، عدم وجود قانون ينظم تراخيص القنوات الخاصة، وأنه لابد من وجود قانون لمنع احتكار وسائل الإعلام، وهذا غير موجود في مصر، نظرًا لتأخر إنشاء المجلس الأعلى للإعلام، رغم نص المادة 211 من الدستور على إنشاء مجلس أعلى للإعلام، ورغم ذلك مازالت الرخص تُمنح وفقًا للقانون 8 الخاص بهيئة الاستثمار، وبالتالي بدأ بعض رجال الأعمال في احتكار الساحة الإعلامية من قنوات وإذاعات وصحف.
وأضاف أن العديد من رجال الأعمال احتكروا القنوات والصحف، ومن بينهم نجيب ساويرس ومحمد أبو العينين، وهذا ما يجعل بعضهم "يستقوي" على "السيسي"، ليس هذا فحسب بل يؤدي هذا إلى غياب المهنية الإعلامية، فالإعلام أصبح عبدًا لسيده، وكل ما يحدث أن يأتي رجال الأعمال أصحاب القنوات بصحفيين يتحدثون بالصوت العالي ولا يعلمون شيئًا عن قواعد وضوابط المهنة، حيب رأيه.
ومن جانبه، قال مدير مركز الجيل للدراسات السياسية، الدكتور إبراهيم الشهابي، إن وجود رأس المال في الأنظمة السياسية أصبح نمطًا سائدًا في العالم بشكل عام، ولكن الإشكالية الكبرى في مصر، أن رأس المال يستخدم في خدمة الأفراد، ودعم نفوذهم وليس في الإنتاج، مشيرًا إلى أن المجتمع يحتاج إلى رأس المال، لأن الاستثمار الخاص هو جوهر الاستثمار الحديث، لكن دون سيطرة رأس المال على الحياة السياسية، وهذا ما ترسخ خلال آخر عشر سنوات من حكم "مبارك"، وكان سبب قيام ثورة 25 يناير.
وأوضح "الشهابي" أن أصحاب رؤوس المال أصبحوا يمتلكون أحزابًا وقنوات إعلامية، وأكبر دليل على سيطرة رأس المال على السلطة إجبار الحكومة على التراجع عن فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة. مضيفًا أن مصر تحتاج إلى ممارسة اقتصاد حقيقي، وابتعاد رأس المال عن السياسة ومنعه من تكوين نفوذ لاستغلاله في مصالح شخصية.
أرسل تعليقك