وضع منذ توليه مهام منصبه محافظًا للبنك المركزي، في نوفمبر 2015، خلفًا لهشام رامز، طارق عامر مشاكل سوق الصرف المعقدة على رأس أولوياته، لا سيما أنه تسلم المنصب الاقتصادي الأهم في هرم المناصب الرسمية، في توقيت انخفض فيه الجنيه لأدنى مستوياته أمام العملة الأجنبية.
ويعد عامر، من القيادات المصرفية التي ساهمت في برنامج الإصلاح المصرفي في عهد الدكتور فاروق العقدة، رئيس المركزي حينها، ونجح في تطبيق آلية التعاون بين المركزي المصري والبنوك الأوروبية، ويتمتع بخبرات مصرفية كبيرة، حيث عمل في العديد من المناصب القيادية في القطاع المصرفي، سواء على المستوى المصري أو الأجنبي، فعمل في "بنك أوف أميركا" و"سيتي بنك" في الخارج، وتولى منصب نائب رئيس "بنك مصر"، ثم تولى رئاسة البنك الأهلي المصري بالتزامن مع عمله في لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري، وترأس اتحاد البنوك المصرية، وشغل منصب نائب محافظ البنك المركزي المصري.
وقاد عامر، السياسة النقدية باحترافية ومهنية عالية، واتخذ العديد من الإجراءات الإصلاحية في القطاع لتنشيط الاقتصاد المصري، وكانت على رأسها إلغاء قرارات سابقة لهشام رامز، بشأن الحدود القصوى المقررة للإيداع والسحب النقدي بالعملات الأجنبية، استمرارًا لتعزيز انسياب حركة التجارة الخارجية وتيسير المعاملات المصرفية للأشخاص الاعتبارية، التي تتعامل في مجال السلع والمنتجات الأساسية دعمًا لقطاعات الصناعة والتجارة،ما أسهم بشكل كبير في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، بعد حالة من الارتباك شهدتها السوق المصرية
وقام عامر، بدعم مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسي، لتنشيط قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال توفير 200 مليار جنيه من قطاع البنوك، وهي المبادرة التي تضمنت الكثير من الجوانب التحفيزية لدفع تمويل المشاريع الصغيرة، ما أسهم في زيادة فرص العمل.
ويرى عامر، أن أزمة مصر الحقيقية حاليًا في مشكلة البطالة، وخلق فرص العمل هو التحدي الأكبر أمامها خلال الفترة المقبلة، وجزء كبير من الخروج من تلك الأزمة يتمثل في النهوض بقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإلغاء الفكر البيروقراطي الذي ما زال يسيطر على أداء جميع مؤسسات الدولة ويعيق هذا القطاع، والذي يعد قاطرة النمو الاقتصادي عن النمو، ويساهم في خلق فرص العمل، وذلك بالتوازي مع تشجيع مؤسسات القطاع الخاص ورجال الأعمال، مع مراعاة العدالة الاجتماعية، والحد الأدنى من المعيشة للمواطن الفقير.
واستطاع محافظ "المركزي"، توفير تمويلات مباشرة من العملة الصعبة بقيمة 7.024 مليار دولار لمؤسسات الدولة المختلفة، وتشمل 2.735 مليار دولار لقطاع البترول، و1.185 مليار دولار للهيئة العامة للسلع التموينية، و621 مليون دولار لسداد مديونية خارجية، وهى قسط تجمع دول "نادى باريس" في يناير الماضى، و758 مليون دولار تمثل التزامات عامة، و734 مليون دولار لوزارات الحكومة المختلفة، ومنها وزارة الخارجية وغيرها، و538 مليون دولار لسداد المستحقات العالقة للمستثمرين في الخارج، و131 مليون دولار لشركات الطيران الأجنبية، و125 مليون دولار، لمقاولين قناة السويس، و198 مليون دولار للشركة القابضة للكهرباء.
وعلى الرغم من الصعاب التي واجهت مصر، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، إلا أن البنك المركزي تمكن من توفير العملة الصعبة لاستيراد السلع الأساسية، وقام بتدبير ما يقارب من 16.7 مليار دولار، ضمن أطروحات العطاء الدولاري الاستثنائي أسبوعيًا، بمقدار 120 مليون دولار.
وقدم عامر، الدعم اللازم للبنوك المصرية وفي مقدمتها "الأهلي، مصر، القاهرة"، لطرح شهادات لتعزيز وفود العملة الأجنبية للبلاد، ليقوم كل من بنكي "الأهلي ومصر"، بإطلاق "شهادة بلادي"، بعملة الدولار للعاملين المصريين في الخارج، تبدأ بفئة الـ100 دولار وصولًا إلى 1000 دولار ومضاعفاته، لمدة استحقاق تبدأ بـ3 و5 و7 أعوام، بسعر فائدة بلغ 3.5 و4.5 و5.5 %، ليقوم البنكين السابقين، بمدّ المبادرة لتشمل عملة "اليورو".
وأطلق البنك المركزي، عبر بنوكه الحكومية، شهادة الجنيه المصري للسماح للمصريين في الداخل بالتخلي عن مدخراتهم من العملات الأجنبية والعربية بسعر فائدة يصل لـ12.5%، على تلك الشهادة، ضمن الإجراءات لتعزيز خزانة الدولة من الموارد الدولارية والعربية،
وشهد الاحتياطي النقدي زيادة بأكثر من مليار دولار خلال الأشهر الماضية، في ظل سياسة المركزي الجديدة، المتمثلة في دعم الاحتياطي حفاظًا على الاستقرار النقدي، حيث سجل 17.5 مليار دولار في نهاية الشهر الماضى.
وفاجأ طارق عامر القطاع المصرفي، مارس الماضي، بقرار جرئ من مجلس إدارة البنك، بألا تزيد مدة عمل الرؤساء التنفيذيين للبنوك العامة والخاصة في مصر على تسعة أعوام سواء متصلة أو منفصلة. وعزا "المركزي" القرار في بيان صحافي لـ "إعداد صف ثان والدفع بالشباب والصفوف الثانية للأمام، وضخ دماء جديدة في شرايين المؤسسات"، وأثار القرار زوبعة كبيرة بين رؤساء البنوك العامة والخاصة والاقتصاديين في مصر.
ويمثل تفعيل أداء المجلس التنسيقي للبنك المركزي، ضرورة في ظل دقة المرحلة الجارية ومتطلباتها، من ضرورة التنسيق بين الجهات الاقتصادية، خاصة طرفي السياستين النقدية والمالية ومجلس التنمية الاقتصادية التابع لرئاسة الجمهورية وأعضاء المجموعة الوزراية الاقتصادية، بعد مطالب كثيرة خلال الفترة الماضية بوجود هذا التنسيق، لا سيما مع تشكيل رفيع المستوى برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية محافظ البنك المركزي، ووزراء الاستثمار والمال والتجارة والصناعة ونائب محافظ البنك المركزي، ووكيل محافظ البنك المركزي لقطاع السياسة النقدية، والذي تشغله الدكتورة رانيا المشاط، وعضوية الدكتور فاروق العقدة، والدكتور محمد العريان، والدكتورة عبلة عبداللطيف.
وكان لقرار "تعويم الجنيه" أثرًا إيجابيًا كبيرًا بعد تطبيقه، واستوعبه المجتمع جيدًا، خاصًة وأن الإيداعات الدولارية التي تمت في الجهاز المصرفي عقب هذا القرار ارتفعت بنسبة كبيرة، وتلقت خزانة البنك المركزي 500 مليون دولار، وهذا نتاج قرار تصحيح العملة الذي ساعد في التنمية وانخفاض الأسعار فيما بعد، وتم زيادة استثمارات المحافظ الأجنبية في أذون الخزانة بنحو 15 إلى 20 مليار دولار،ونجح هذا القرار في زيادة حصيلة البنوك من العملة الصعبة المقبلة إلى مصر وأسواقها الرسمية، وأصبح التداول في البورصة المصرية 440 مليار جنيه بعدما كان 220 مليارًا، ما ساهم في جذب المستثمرين الأجانب لأول مرة إلى البورصة المصرية.
ويعد منصب محافظ البنك المركزي في كل دول العالم، المنصب الاقتصادي الأهم في هرم المناصب الرسمية، ويعد عصب الاقتصاد بقراراته التي تؤثر في مستويات التضخم – مستويات الأسعار – والسيولة النقدية والائتمان وطباعة النقد وإدارة مديونيات الدولة، واستقرار الجهاز المصرفي الذى يعد أهم قطاعات الدولة الاقتصادية حاليًا نظرًا لأنه الوحيد الذي لم يتأثر بتداعيات تردي الاقتصاد نتيجة الاضطرابات.
وحث عامر، البنوك على عدم التكاسل واللجوء للأسواق الدولية لتوفير العملة الصعبة، وعمل على دراسة طرق تعامل الدول الأخرى مع الاستثمارات الأجنبية لتكون قيمة مضافة، كما عمل خلال الأشهر الماضية على تحقيق العديد من الأهداف، وأهمها الرقابة على وحدات الجهاز المصرفي، ووضع المعايير والضوابط الرقابية التي تكفل سلامة المراكز المالية للبنوك وحسن أدائها لأعمالها، وإصدار القرارات اللازمة لتنفيذها وتقييم الجهود التي تبذل بشأن الرقابة على الائتمان الذي تقدمه البنوك.
وأصدر المحافظ، قرارًا بغلق شركات الصرافة التي تخالف التعليمات الرقابية الخاصة بالبنك المركزي بعد التدرج في العقوبات، وفي ظل الجهود المبذولة منه، أشاد الرئيس السيسى بالجهود الجارية لتعزيز التعاون والعمل العربي المشترك في المجال المصرفي، مشيرًا إلى أن تدعيم هذا التعاون من شأنه أن يسهم في دعم قطاعات اقتصادية حيوية ودفع عملية التنمية الشاملة.
ويواجه "عامر" حاليًا عدة تحديات مهمة، أبرزها القضاء على السوق السوداء للعملة، وإعادة هيكلة الاحتياطي الأجنبي ودعم أرصدته، والعمل على جذب عملاء جدد للبنوك، وزيادة التنافسية في القطاع بين مؤسساته الـ38، عبر طرح منتجات وخدمات مصرفية تلبي احتياجات المواطنين، وبالتالي زيادة قاعدة المتعاملين مع البنوك، والذي يقف حاليًا عند نحو 10 ملايين مواطن، وهو ما يسمى بمفهوم "الشمول المالي"، إلى جانب الاستمرار في مواكبة القوانين الدولية، في ظل التحديات الخاصة بتمويل التطرف والجريمة وأنشطة غسل الأموال.
هذا ويرى خبراء ومحللون أن "عامر"، يجيد التعامل مع السوق السوداء والموازية بشكل كبير، واصفين اختياره لمنصب محافظ البنك المركزي بـ"الأمر الصائب الذي تأخر كثيرًا"، لا سيما بعد الطفرة الكبيرة التي حققها في البنك الأهلي، وحوله إلى الربحية بعد خسائر كان قد تعرض لها في السابق.
أرسل تعليقك