تُعد البورصة السلعية سوقًا منظمة تنعقد في مكان معين وفي أوقات دورية بين المتعاملين في بيع و شراء مختلف أنواع المحاصيل الزراعية والسلع، ويتم بيع السلع بها بنظام الجملة، حيث يتم التعامل فيها على أساس أخذ عينات من المنتجات، وعلى أساس العينة يتم تحديد سعر المنتج ومن ثم فتصبح مكانا لتسعير المنتجات والسلع المحلية والدولية.. فهل تساهم البورصة السلعية في القضاء على الاحتكار؟
أكد عدد من الخبراء الاقتصاديين أن البورصة السلعية وحدها لا تكفي لضبط إيقاع السوق والحفاظ علي آليات العرض والطلب والقضاء على الاحتكار، مؤكدين أن الفكرة جيدة وتطبيقها يحتاج إلي تنسيق مع مؤسسات عديدة بالدولة والقطاع الخاص مثل الأجهزة الرقابية وجهاز حماية المستهلك وجهاز المنافسة ومنع الاحتكار، مطالبين بتعميم التجربة على جميع الغرف التجارية بالمحافظات حتى تكون هناك قوة في التطبيق والتصدي للممارسات الضارة.
وأوضحوا أن البورصة السلعية خطوة علي الطريق ولكن لابد من استكمال برنامج تطوير قطاع التجارة الداخلية وتنظيم الأسواق حتى نضمن شفافية تداول السلع في الأسواق المحليةـ و أكدت أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، الدكتورة عالية المهدي، أن مصر لديها تجربة ناجحة فى الخمسينيات تتمثل فى بورصة القطن، موضحة أن هناك نوعين من التعاملات من خلال بورصة السلع الأساسية أولهما أن يذهب التجار بالإنتاج من المحاصيل لعرضها بالكمية من البورصة وعمل مضاربات للوصول لأفضل سعر تنافس على المنتج مؤكدة أن البورصة ستتعامل على العديد من السلع الأساسية كالقمح والأرز والذرة والقطن وسيتم استبعاد سلع أخرى.
وأضافت أن النوع الثاني من التعاملات فيتم من خلال إبرام عقود مستقبلية لبيع حجم الإنتاج الذي سيتعاقد عليه المنتج قبل إنتاجه ثم إجراء المضاربة على الأسعار، الأمر الذى سيضاعف الإنتاج ويشجع المستثمرين الزراعيين للتوسع فى الإنتاج والطرح عبر آلية العقود المستقبلية.
وأوضحت أن البورصة ستحقق شفافية فى تحديد الأسعار وتتيح الفرصة لصغار المنتجين لبيع إنتاجهم بشكل مباشر.
فيما طالب محمود العسقلانى المتحدث باسم حركة مواطنون ضد الغلاء وزير التموين بضرورة توفير آلية للرقابة أو جهة مستقلة للرقابة على مدى التزام التجار بالسعر المعلن من قبل البورصة للسلع الأساسية المتداولة بالأسواق حتى تشهد انخفاضًا لأسعار السلع.
وأكدت أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، الدكتورة يمنى الحماقي، أن إنشاء بورصة سلعية بجوار قناة السويس يعد قرارًا جيدًا خاصة أنها تعد منطقة تجارية هامة، موضحة أن إنشاء بورصة للقمح والحبوب ستحميه من التخزين السيئ لاسيما وأن هذا الأمر يؤدي لإهدار الكثير منه بل قد يؤدي في الكثير من الأحيان لفساده، موضحة أن فكرة إنشاء بورصة سلعية ليست بجديدة خاصة وأنها توجد بالكثير من دول العالم، وأكدت أن قرار وزير التموين جاء في ضوء الاقتداء بهذه الدول لتنظيم التجارة إلا أن هذا الأمر لا يمنع أن هناك دولا فشلت في تطبيقها، وهذا ما اتضح عندما قامت مصر بإنشاء بورصة "السكر" من قبل، فهذه البورصة ساهمت في عودة أباطرة احتكار السكر بالأسواق، الأمر الذي جعل مصير هذه البورصة الانهيار.
وأضافت الحماقي أنه لابد من وضع أسس لإنشائها، ولابد من إجراء دراسات مستفيضة حولها قبل البدء في التنفيذ وذلك حتى لا يكون مصيرها كمصير بورصة السكر، لافتة إلى أن إنشاء بورصة سلعية سيساهم في النهوض بمنظومة التجارة الداخلية بشكل كبير، كما أنها ستلعب دوراً إيجابياً في الحد من التجارة العشوائية والتي باتت تجتاح الشوارع، الأمر الذي سيدعم مناخ الاستثمار أمام المستثمرين العرب والأجانب وكذلك المستثمرون المحليون.
وأوضحت أن إنشاء البورصة السلعية للسلع والحاصلات الزراعية سيجعل الحكومة تولي اهتماماً أكبر للقطاع الزراعي والاهتمام بالفلاح الذي يشعر دائماً بظلم وتجاهل حكومي تجاهه، كما أنها ستخفف من معاناة الفلاحين في عمليات البيع، وستؤدي لتسعير السلع والتي ستحد من موجة ارتفاع الأسعار التي تندلع من حين لآخر، كما أنها ستمنع في الوقت ذاته الممارسات الاحتكارية.
وشددت على أهمية اتاحة البيانات عن السلع والربط بين أماكن الإنتاج والاستهلاك ومعرفة كل عنصر من عناصر التكلفة بالنسبة للسعر، وعدم ترك أي فرصة للمحتكين ليتحكموا في بورصة السلع وكشف أي ممارسة من الممارسات الاحتكارية والتي حدثت في بورصة الدواجن من قبل.
بينما عارضهم في الرأي أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة، الدكتور مختار الشريف، قائلاً إن إنشاء البورصة السلعية بمنطقة قناة السويس، سيؤدي لارتفاع أسعار السلع والحاصلات الزراعية بباقي المحافظات، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة النقل، فضلاً عن أن التجار والمزارعين سيتجهون لتصدير سلعهم من أجل النهوض بالتجارة الخارجية، إلا أنه في الوقت ذاته هذا الأمر سيؤثر بالسلب على التجارة الداخلية للبلاد.
وأضاف الشريف أنه لا بد من مصارحة الشعب بكافة تفاصيل هذه البورصة خاصة وأن هناك لغطاً كبيراً حول اعتماد الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارا بإنشاء بورصة سلعية بجانب قناة السويس والذي تزامن مع توقيع عقد اتفاق مع شركة بلومبرج بغرض حفظ المنتجات الزراعية من الحبوب والخضراوات والفواكه.
وأوضح الشريف أن إنشاء البورصات السلعية هو عودة جديدة لجبروت وسيطرة رجال الأعمال كما كان في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، لافتاً إلى أن بورصة السلع يتم تطبيقها وفقاً لمعايير محددة وأن يتم الأخذ بما سبق من قرارات، خاصة وأن مصر فشلت من قبل في إنشاء بورصة سلعية للسكر فهل سترغب في تكرار التجربة من جديد، لافتاً إلى أن توقعاته بفشل ذلك المشروع لم تأت من فراغ خاصة وأنه تم تحديد مكان البورصة بمنطقة قناة السويس بهدف تنشيط حركة التجارة الخارجية وعدم الاهتمام بالتجارة المحلية، خاصة وأن التجار قد يلجأون لاتباع سياسة "تعطيش السوق المحلي" ومن ثم ترتفع الأسعار وسيعاود أباطرة الاحتكار نشاطهم، لذا فإنه لابد من تعميم التجربة بأن يتم إنشاء بورصات سلعية بجميع محافظات مصر للتخلص من سياسة الاحتكار التي يرغب بها الكثيرون خلال الفترة المقبلة.
أرسل تعليقك