القاهرة - سهام أحمد
"تجّار الخردة" هكذا تصفهم مصلحة الضرائب في تقاريرها، فهم رجال أعمال بالمعنى الحرفي وصلت حجم تجارتهم في مصر إلى 50 مليار جنيه، يتمتعون بكل المميزات التي يتمتع بها غيرهم من رجال الأعمال ولكن لا يدفعون ثمن الخدمات التي يحصلون عليها من الدولة بسبب تهربهم من الضرائب، وإحقاقًا للحق ليس كل تجار الخردة يتهربون من الضرائب ولكن السواد الأعظم منهم يتهرب مما يهدر على الدولة سنويًا ما لا يقل عن 6 مليارات جنيه أموال ضرائب.
يكشف محمد عبدالرحمن تاجر خردة في منطقة 6 أكتوبر الصناعية، والذي شرح خطوات التهرب الضريبي، قائلًا: يوجد في مصر حوالي 15 تاجر خردة متحكمين في السوق، ويحددون سعر الطن وهؤلاء يمتلكون ملفات تأمينية وضريبية ويتعاقدون مع مصانع الحديد عز وبشاي والمراكبي والمصريين ومصانع حديد أخرى، ولكن يتم التعاقد من خلال شركات جديدة يتم تأسيسها لمدة عام واحد فقط وباسم أحد صغار التجار، ومن خلال هذه الشركة يتم التعاقد مع مصنع الحديد الذي يشترط وجود سجل تجاري وهي أمور روتينية، وبعد إبرام الصفقة بين الشركة الجديدة وبين المصنع يتم التواصل مع صغار تجار الخردة على مستوى الجمهورية لإبلاغهم بأنه تم الاتفاق مع المصنع وسعر الطن ليقوموا بنقل شحنات الخردة من مخازنهم في اليوم التالي إلى المصنع الذي تم التعاقد معه.
وتابع أقل كمية يستهلكها مصنع حديد يوميًا من 5 إلى 10 آلاف طن خردة، وهناك مصانع تتجاوز تلك الكمية، وطريقة المحاسبة بين التاجر الكبير وصغار التجار تتم من خلال خصم سهم من كل شيك يتم صرفه من المصنع، فلو اعتبرنا أن أحد التجار قام بتوريد خردة بقيمة 10 ملايين جنيه يتم خصم 300 ألف جنيه تعود لخزانة التاجر الكبير في المقابل لا يسدد تاجر الخردة الصغير أي أموال ضرائب ولا تأمينات ويتم غلق الشركة بعد عام وبواسطة محاسب قانوني يتم تجهيز الورق ليبدأ الشركة الجديدة وكأنها خاسرة ولم تحقق أي أرباح وتسدد للضرائب 100 ألف جنيه فقط.
مشيرا إلى أنه سنويا يتم تأسيس قرابة الـ50 شركة لتوريد الخردة لمصانع الحديد، فهذا العام على سبيل المثال شهد تأسيس شركات الأمل والرحمة والبرنس والدغري والبيشة وهي شركات وهمية لتوريد الخردة لمصانع الحديد وبعد عام يتم غلقها وتأسيس أخرى.
وبسؤاله عن رد فعل مصانع الحديد حيال تلك الشركات التي تهدر على الدولة مليارات الجنيهات، أكد كريم أن أصحاب المصانع لا تعنيهم الدولة في شيء وكل ما يشغل بالهم هو توفير كميات الخردة التي تكفي احتياجاتهم وتعوضهم عن استيراد الخردة من الخارج التي تتطلب توفير عملة صعبة، وعليه فإن أصحاب المصانع يعلمون بهذه الخدعة التي يقوم بها التجار ولكن حتى تكون جميع الأمور قانونية يشترطون وجود سجل تجاري ورخصة لدى الشركة التي يتم التعاقد معها.
وأكد محمود كامل الخبير الاقتصادي، أن تجارة الخردة في مصر من أكثر الأعمال المربحة، فهو معفى من كل شيء ضرائب وتأمينات لأنه متهرب بالأساس وفي الغالب بعض المخازن تقوم بسرقة التيار الكهربائي، كما أنها لا تحتاج لعمالة كثيرة، والربح الذي يحصل عليه التاجر يكون صافي ربح لم يقتطع منه أي أموال، وبالتالي فإن غياب الرقابة على تلك الصفقات المشبوهة التي تعقدها شركات جديدة مع مصانع الحديد يسهم بشكل كبير في ضياع أموال تستفيد منها الدولة في بناء مستشفيات وتصليح طرق.
وتابع بشكل عام لا يمكن حصر التهرب الضريبي في مصر خاصة أن تلك الشركات الجديدة يتم إغلاقها بعد عام وعليه فإنه في حال وجود قضية تهرب ضريبي ستسقط عن صاحبها بعد عام، ورأينا من قبل قيام بعض دول الخارج بتوفير ملاذ آمن للتهرب الضريبي في ما تعرف بجزر العذراء ببريطانيا، وغالبية تجار الخردة في مصر يتبعون تلك السياسية وهي توفير غطاء آمن لأموالهم التي تجاوزت الـ50 مليار جنيه عن طريق تأسيس شركات جديدة.
ويرى المهندس إبراهيم الضبع أحد خبراء قطاع التعدين، أن تجار الخردة المتهربين من الضرائب يتسببون في كارثة أخرى وهي احتقار بعض المعادن كالنحاس على سبيل المثال لا الحصر وتصديره للخارج وفي ظل غياب سيطرة الدولة على بعض المعادن التي يسيطر عليها هؤلاء التجار، يحدث عجز في بعض المعادن مما يضطرنا بنهاية المطاف إلى الاستيراد بالعملة الصعبة.
وعن طريقة تحجيم تلك التجارة وتحصيل أموال الضرائب، أوضح الضبع، أن تجارة الخردة يصعب على مأموري الضرائب فهمها حيث تمر بعدد من المراحل تبدأ من السريح الذي يمر على البيوت وفي الشوارع لجمع قطع الخردة مرورًا بتاجر الجمع من السريحة وصولًا إلى التاجر الأكبر الذي يتولى مهمة التعاقد مع المصانع، وفي كل مرحلة توجد مخازن للتجار غير مسجلة بالأساس لدى الهيئات الحكومية مما يعصب الأمور، والحل هو تدريب مأموري الضرائب على هذه الفئة وكيفية تحصيل الضرائب منهم.


أرسل تعليقك