القاهرة ـ أ.ش.أ
تجلت "ثقافة الشهادة" وتوهجت في شهر رمضان ليشهد ثلثه الأخير انضمام ثلة من رجال حرس الحدود لقافلة الشهداء في "الحرب الجديدة-القديمة" على مصر.
وهذه "الحرب الجديدة-القديمة" تجري الآن بسلاح الإرهاب الخسيس، وفيما تتردد كثيرا هذه الأيام مصطلحات مثل الحرب النفسية وحرب الرموز التي تتعرض لها مصر، فإن تلك الحرب في جوهرها ترمي لتوهين دور مصر ومكانتها وتترصد خطى تقدمها وجهود نموها.
وكان المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة قد أعلن عن استشهاد 21 جنديا وإصابة اربعة آخرين في هجوم إرهابي عصر أمس الأول "السبت" ضد نقطة لحرس الحدود بالقرب من واحة "الفرافرة" في صحراء مصر الغربية، موضحا أن الجنود تبادلوا إطلاق النار مع العناصر الإرهابية مما أدى لانفجار مخزن للذخيرة وسقوط الشهداء.
وبذلك ينضم هؤلاء الجنود من أبناء مصر الأبرار لقافلة الشهداء التي رفعت علم مصر عاليا في حرب العاشر من رمضان 1973 وجادت بالأرواح في أشرف المعارك وأكثرها بسالة، فيما نعت رئاسة الجمهورية شهداء الحادث الإرهابي الجديد، مؤكدة على أن "ارواح اولئك الشهداء ودماءهم الزكية التي سالت على تراب هذا الوطن سيكون لها قصاصها"، وأن "مصر لن تنسى شهداءها الأبرار الذين لم يبخلوا بحياتهم في سبيل الدفاع عنها وطنا وهوية".
وتعرف قوات حرس الحدود ذات التاريخ العريق في الفداء وحماية الحدود البرية والساحلية "بعيون مصر الساهرة" ، فيما شعارها "الأمانة والشرف والتضحية" وقد لفتت بطولاتها انتباه صناع السينما فكانت عدة أفلام تناولت بعض هذه البطولات مثل فيلم "عين الصقر".
ولم يتردد رجال حرس الحدود في التضحية بأرواحهم والانضمام لقوافل الشهداء في الحرب الجديدة التي تتعرض لها مصر منذ ثورة 30 يونيو 2013 تحت لافتة الإرهاب، فيما ضم سجل الشهداء رجالا من مختلف الأفرع والتخصصات في الجيش والشرطة.
وفي شهر مارس الماضي استشهد اثنان من خبراء المفرقعات بسلاح المهندسين هما العميد مهندس ماجد أحمد صالح والعقيد مهندس ماجد أحمد شاكر أثناء تصفية بؤرة إرهابية بقرية "عرب شركس" بمحافظة القليوبية.
لاجدال أن اي مصري ينتمي لهذا الوطن يشعر بالألم حيال الدم الغالي الذي يسفكه الإرهاب كما أن "الألم" قضية إنسانية تخص كل الشعوب والثقافات وكل من هو جدير بالانتماء للبشر او للنوع الإنساني.
والألم في الثقافة الغربية مثلا قد يكون طريقا لتطوير الذات، كما يوضح كتاب جديد صدر بالانجليزية بعنوان "قصة الألم" لجوانا بورك وهو بحق يشكل "دراسة جريئة عن الاستجابة الانسانية للألم" لكاتبة صاحبة اهتمامات ثقافية عميقة بقضايا ومشاعر مثل الحزن والقتل والخوف، فيما تبدت تلك الاهتمامات منذ بدايات مسيرتها مع الكتابة وكتابها المبكر :"مامعنى أن تكون إنسانا"؟! .
وهذا الكتاب الجديد لجوانا بورك يحوي شهادات وآراء لشعراء ورجال دين وأطباء، فيما تجمع المؤلفة ما بين الخبرة الأكاديمية وجمال الأسلوب والطرح غير التقليدي، فاذا بها قد صنعت حالة من الكتابة المبهجة رغم أن الموضوع بطبيعته محزن لأنه يتناول "الألم".
وللألم تجلياته العبقرية في الإبداع كما هو الحال على سبيل المثال في رواية "بالأبيض على الأسود" لروبين جونزاليز والتي تحكي تجربته الإنسانية الآليمة كشخص وصف بأنه "كمعوق" غير أنه حول ذاته إلى موضوع كبير عن علاقة المجتمعات بأبنائها من المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة، وكيف تكون عنوانا على التحضر الإنساني او الخسة والهمجية.
هذا المؤلف الاسباني سعى لتحويل سيرته الذاتية لرواية بالمعنى الفني وكان همه الأساسي نفي الذات باديء ذي بدء حتى لايقع في شبهة استدرار عطف القاريء عليه فيما نجح بالفعل في طرح رؤية فنية تقدم عالما شديد الثراء في الدلالة على الأعماق الحقيقية الصادقة والمباشرة للانسانية حال عجزها عن ممارسة الحياة بصورة طبيعية.
وقد تعيد هذه الرواية التي نبعت من الألم للأذهان ديوان الشاعر امل دنقل "اوراق الغرفة رقم 8" وهو الديوان الذي ابدعه في رحلته الأخيرة مع المرض بينما ينحت روبين جونزاليز مفهوما عميقا للبطولة عندما يجد الانسان نفسه بين خيارين:"اما ان يكون بطلا حتى النهاية او يموت" لأن هذا الانسان كتب عليه ان يعاني من الاعاقة وفقد الوالدين معا منذ منصف عامه الثاني!.
وهكذا تحولت السيرة الذاتية لكائن متألم للوحة انسانية تكشف عن فنان خطير الشأن لأنه صنع من الألم عالما جديدا طازجا وموحيا يكاد يعبر عن جوهر رحلة الانسان على هذا الكوكب الأرضي والسعي للتحرر من عذابات الاحتياج لمن يقدمون مساعدات مصحوبة بالمن والاذلال والقمع الذي يحاكم الاحلام والمحاولات البطولية لمقاومة الخسة والنذالة في بعض المنسوبين للبشر.
اما البشر الذين يستحقون هذا الوصف ويؤمنون بعدالة قضاياهم فهم كما تؤكد جوانا بورك في كتابها الجديد قد لايشعرون بأي الم في قلب المعركة مهما كانت قسوة جراحهم لأن مشاعرهم واحاسيسهم كلها مشدودة لعدالة ونبل القضية التي يحاربون في سبيلها.
ولن يكون هناك ماهو انبل او اكثر عدالة من قضية الدفاع عن الوطن والأرض في مواجهة العدو سواء كان عدوا ظاهرا او تخفى بخسة ونذالة كما هو حال عناصر الارهاب.
وفي كتاب "العسكرية المصرية فوق سيناء" يقدم الصحفي الراحل حمدي لطفي العديد من قصص الفداء ويروي قصة الشهيد البطل "الخفرجي" ابن المنصورة الذي ابطل في يوم واحد عشرات من القنابل الزمنية فوق مطاراتنا وقواعد الصواريخ المضادة للطائرات .
وينقل مؤلف الكتاب الراحل حمدي لطفي عن اللواء مهندس جمال الدين محمد علي قوله انه في حرب رمضان الخالدة جاد بعض الأبطال بأرواحهم فداء للنصر "وصعدوا الى رحاب الله وهم يصنعون دعائم الهجوم تحت قصف مكثف من طائرات العدو بقنابل الف رطل".
وثقافة الشهادة كانت زادا للرجال الذين خاضوا حرب العاشر من رمضان ليكتبوا بدمائهم وارواحهم النصر لأمتهم تماما هي اليوم زاد الرجال الذين يخوضون واحدة من انبل الحروب واكثرها عدالة في مواجهة خسة ونذالة الارهاب.
واذا كانت مصر تواجه "حربا نفسية" ضمن الحرب الشاملة للارهاب ومن يقف خلف الارهابيين فان ثمة حاجة ثقافية لتحليل هذه الظاهرة والتعرف على بنيوية مقوماتها وعلاقاتها وآلية حركاتها ومتغيراتها حتى يمكن التعامل معها على النحو الذي يدرء شرورها.
وهذه الحرب "الجديدة/القديمة" تتلاعب برموز واسماء ومسميات لها قدسيتها واحترامها الجليل في الضمير الجمعي للمصريين مثل "بيت المقدس" او "رابعة العدوية" وهي لاتتورع عن توظيف التراث بصورة مشوهة وتوليد معان جديدة لهذه الرموز بما يتوافق مع اهدافها المعادية للكتلة الغالبة من المصريين.
وحسب مانشرته الصحف ووسائل الاعلام حول اعترافات "الارهابيين الذين القي القبض عليهم خلال العملية الأمنية في عرب شركس" في شهر مارس الماضي فان القيادات التي قامت بتدريبهم ومنهم "قائد مجموعة بيت المقدس" اقتعوهم بأن الموت في سبيل تنفيذ تلك العمليات هو استشهاد في سبيل الله وانهم يرتكبون تلك الجرائم لنصرة الدين وكانوا يتلقون اموالا لتنفيذها ومكافآت بعد كل عملية ارهابية يقومون بها.
وفيما يقترن هذا المخطط الارهابي للعناصر التي تسفك الدم الطاهر وتشن هجمات غادرة مستهدفة جند مصر تتبدى طبيعة حرب الرموز والسعي الحثيث لتزوير الدلالات والتلاعب للتأثير على اللاوعي.
فجماعات الارهاب المأزومة تحاول ان تتخطى ازمتها بالاستعارات الخاطئة وان تفرض على الواقع مالاينتمي لتاريخه الحق حتى بات من الحق وصف ممارساتها بأنه "لاتاريخية" حيث "التفكير المتعسف والخارج على السياق لفرض تصور جاهز على واقع لايمكنه قبول هذا التصور".
واذا كان التنظير الثقافي يصل الى استحالة الفصل بين الرموز والواقع اليومي للانسان في كل مكان وزمان فان العلاقة بين الواقع والرموز تتطلب تأملات عميقة في سياق دراسات سوسيولوجية على مستوى اي مجتمع وخصوصيته الثقافية ومخيلته الجمعية.
واذا كان الحديث عن حرب الرموز فليعلم هؤلاء الذين يشنون حربهم الجديدة/القديمة على مصر ان "المصري يشبه طائر الفينيق الذي ينبعث دوما من رماد الموت لآفاق الحياة المتجددة".. الرموز المزورة في حرب الارهاب لن تنجح في تزييف شكل الوطن او تغتال الطريق وتحيل مصر قبرا وزخات عذاب وجوع وحبات دموع!.


أرسل تعليقك